أكد المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي استمرار عجز المدرسة المغربية عن تحقيق نتائج تعليمية ترقى إلى مستوى هذا الانضباط والتنظيم والجهود المبذولة من طرق الأساتذة.
وأظهرت خلاصات الدراسة الدولية للتعليم والتعلم المغرب 2024، التي أجراها المجلس الأعلى للتربية، أن الممارسات التربوية داخل الأقسام، خاصة في التعليم الثانوي الإعدادي، تتسم بدرجة عالية من التنظيم والتأطير، إذ يحرص أغلب الأساتذة على تحديد أهداف الدروس وشرح التعلمات المنتظرة وتدبير القسم بشكل صارم.
وبيّنت في هذا السياق أن الممارسات التربوية المؤطرة تهيمن في التعليم الثانوي الإعدادي، إذ يلخص 84 بالمئة من الأساتذة مضامين الدروس، ويحدد 89 بالمئة منهم أهداف الأهداف في بداية الحصة، فيما يوضح 90 بالمئة التعلمات المنتظرة، كما يحضر تدبير القسم بكثافة، حيث يذكر 92 بالمئة من الأساتذة بالقواعد التنظيمية، ويشترط 91 بالمئة الإصغاء لدى التلاميذ.
غير أن الدراسة أشارت إلى محدودية الممارسات التي تنمي التفكير النقدي والقدرة على حل المشكلات، حيث تبقى المهام المعقدة والتحفيز الحقيقي على التفكير العميق أقل حضورا داخل الفصول، ما يؤكد أن العملية التعليمية ما تزان تميل نحو التلقين أكثر من بناء مهارات التحليل والاستقلالية لدى التلاميذ.
وأوضحت بهذا الصدد أن الممارسات التعاونية تبقى محدودة؛ فـ42 بالمئة فقط يعملون بالمجموعات الصغيرة، و50 بالمئة يتيحون للتلاميذ هامش اختيار الطرائق أو الإجراءات.
أما التعليم الابتدائي، فتبدو هذه الممارسات التربوية المؤطرة أكثر رسوخا، مع ارتفاع ملحوظ يفوق 12 نقطة مئوية في العمل بالمجموعات الصغيرة.
ورصدت الدراسة قلة المقاربات التي تعطي أهمية لتنمية التفكير النقدي وإنجاز المهام المعقدة، ففي الثانوي الإعدادي لا يقترح سوى 45 بالمئة من المدرسين مهاما معقدة دون حل جاهز، ولا يحفز التفكير النقدي بوضوح إلا 57.7 بالمئة منهم، مع نسب أدنى في التعليم الابتدائي.
وبخصوص تنمية الكفايات الاجتماعية العاطفية للتلاميذ، خلص “مجلس بورقية” إلى أن يأساتذة الثانوي الإعدادي يركزون أساسا على الكفايات العلائقية، إذ صرح نحو 80 بالمئة منهم بأنهم يعملون على تنمية الكفايات، وعلى تبادل وجهات النظر، وتعزيز التعاطف، وتشجيع التفاعلات المتناسقة والسلوكات الإيجابية. في المقابل، تبقى الكفايات المرتبطة بالوعي بالذات وضبط الانفعالات أقل استثمارا.
أما في الابتدائي، تشير الدراسة إلى اتساع هذا الانخراط بدرجة أكبر، حيث تتجاوز النسب 90 بالمئة فـيما يتعلق بتنمية العلاقات الصحية واتخاذ الخيارات المتسمة باللطف.
مقابل ذلك، عبّر أساتذة الثانوي الإعدادي عن إحساس قوي بالفعالية في قدرتهم على تحقيق الأهداف البيداغوجية، فـ94 بالمئة يعتقدون أنهم يقدمون المضامين بوضوح، وحوالي 90 بالمئة يؤكدون أنهم يدعمون التعلمات، و86 بالمئة يوفرون تغذية راجعة منتظمة، و88 بالمئة يحافظون على مناخ انضباط جيد داخل القسم.
وسجلت الدراسة نسبا أقل فيما يتعلق بالتكييف مع حاجات التلاميذ (80.3 بالمئة) وبالدعم الاجتماعي-العاطفي (72.5 بالمئة)، مشيرة إلى أن هذه الأرقام “تكشف فجوة تقارب عشرين نقطة بين الممارسات التربوية المؤطرة ذات الطابع المعرفي وتلك التي تستوجب تكييفا فرديا أكثر دقة”.
وشدد المجلس الأعلى للتربية على أنه “رغم الجهود المبذولة، ما تزال المكتسبات الدراسية دون المستوى المطلوب، مما يكشف عن فجوة مستمرة بين الممارسات المصرح بها والنتائج الفعلية”.
وبخصوص الانخراط في تبني التقنيات الرقمية، يرى 94 بالمئة من أساتذة الثانوي الإعدادي أن الرقمنة تحفز اهتمام التلاميذ، و89 بالمئة أنها تحسن أداءهم، و81 بالمئة أنها تعزز التعاون فـيما بينهم. وترد نسب مماثلة تقريبا في التعليم الابتدائي، ما يؤكد تصورا إيجابيا واضحا، يفوق بكثير المتوسطات الدولية، وفق المصدر ذاته.
لكن المجلس الأعلى للتربية والتكوين سجل أنه الثقة في التقنيات الرقمية تتسم بالحذر والمرونة، فـ44 بالمئة من أساتذة الثانوي الإعدادي و39 بالمئة من أساتذة الابتدائي يعتبرون الرقمنة مصدرا محتملا للتشويش، فيما يرى قرابة 60 بالمئة أن الاستعمال المكثف قد يضر بالتفاعلات المباشرة أو بالرفاه النفسي للتلاميذ.
وسجل أن إدماج الذكاء الاصطناعي ما يزال محدودا، إذ لم يصرح باستعماله في الأغراض البيداغوجية خلال الاثني عشر شهرا الأخيرة سوى 26.5 بالمئة من أساتذة الثانوي الإعدادي و28 بالمئة من أساتذة الابتدائي، مؤكدا أنها نسب أدنى من متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (36 بالمئة) والمتوسط الـدولي “TALIS” (37 بالمئة).
ورغم محدودية هذا النهج، ينظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره حاملا لإمكانات مهمة، خصوصا في تكييف الموارد التربوية مع حاجات التلاميذ، مع بروز يقظة واضحة تجاه مخاطـره المحتملة.
