لازالت الجزائر تعيش على وقع النقاش الدائر حول تصويتها في مجلس الأمن الدولي على القرار 2803 بشأن غزة، الذي تقدمت به الولايات المتحدة الأمريكية، وهو التصويت الذي جر على الجزائر انتقادات شديدة، بالنظر إلى تضمنه لقرارات وإجراءات ترفضها حركة المقاومة الفلسطينية “حماس”، مثل نزاع سلاحعها، وهو ما اعتُبر بمثابة “خيانة” للقضية الفلسطينية من بلد كان لعقود يعتبر أنه مع فلسطين “ظالمة أو مظلومة”.
وتفاعل مع هذا النقاش، الكاتب الجزائري، توفيق رباحي الذي وجّه في مقال نشره على صحيفة “القدس العربي” انتقادات لطريقة تعاطي الدبلوماسية الجزائرية مع القضية الفلسطينية، معتبرا أن الخطاب الرسمي لا يزال “أسير سبعينيات القرن الماضي” وأن الجزائر تحتاج إلى “مراجعة شاملة” لمقاربتها.
وأضاف رباحي في مقاله أن الجزائر “ترفع سقف الشعارات من دون امتلاك أدوات تنفيذها”، مشيرا إلى أن اندفاع الخطاب السياسي حول فلسطين “قيّد هامش حركة الدبلوماسيين وخلق فجوة بين الشعارات والإمكانات الحقيقية للدولة”، منتقدا تمسّك الجزائر بشعار “مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”، مشيرا إلى أن هذه الشعارات “لَّوى زمنها، حتى قائلها، الرئيس هواري بومدين، كان سيراجع نفسه لو كُتب له العيش إلى اليوم”.
كما اعتبر الكاتب الجزائري أن السخرية من الدول العربية التي اختارت التطبيع مع إسرائيل “لا تليق”، واصفا هذا الخطاب بأنه “تخصص معمر القذافي في زمن المد الثوري”، وأن “شعارات الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها في حاجة إلى تأمل. أين هي هذه الشعوب أولا؟”.
ورأى رباحي أن الجزائر لم تستوعب بعد حجم تغيّر العالم ولا موقعها الحقيقي ضمن موازين القوى، مشيرا إلى أن التمسك بخطاب شعاراتي “لا يخدم القضية الفلسطينية ولا يخدم مصالح الجزائر”، وأن الاكتفاء بلوم الدول الأخرى أو تخوين مواقفها “ليس سياسة واقعية”.
ودعا الكاتب إلى “تدوير الزوايا” واعتماد مقاربة دبلوماسية جديدة أكثر براغماتية، معتبرا أن تصويت الجزائر على القرار 2803 قد يشكل “بداية تحوّل في العمل الدبلوماسي الجزائري”، بدلا من “الاستمرار في خطاب يتجاوز قدراتها ولا يراعي معطيات المرحلة”.
جدير بالذكر أن وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف كان قد عقد مؤتمرا صحفيا قبل التصويت، أوضح فيه أن بلاده اعتمدت ثلاثة اعتبارات رئيسية في دعمها للقرار الأمريكي بشأن غزة، والتي تتعلق بأهدافه الجوهرية، والدوافع التي تقف خلفه، ومواقف الأطراف الإقليمية المؤثرة حسب تعبيره.
واعتبر عطاف، بأن الجزائر ترى في المقترح خطوة ضرورية لترسيخ وقف إطلاق النار وتوفير الحماية الدولية وتهيئة الظروف لإعادة إعمار غزة، غير أن التبريرات التي قدمها لم تلق ترحيبا واسعا في الأوساط العربية، وحتى في الداخل الجزائري.
وفي هذا السياق، كانت حركة مجتمع السلم الجزائرية قد عبرت في بيان لها عن رفضها لموقف الجزائر، معتبرة أن التصويت لا ينسجم مع الإرث السياسي والتاريخي للجزائر في دعم المقاومة الفلسطينية وحركات التحرر حول العالم.
وأكدت الحركة أن المشروع يسعى إلى “تكرس واقع جديد في غزة عبر فصل القطاع عن جغرافيته الفلسطينية والمس بثوابت القضية، بما في ذلك مستقبل المقاومة ونزع سلاحها”، مشددة على أن أي مسار لتحقيق السلام يجب أن ينطلق من إنهاء الاحتلال وضمان حقوق الشعب الفلسطيني كاملة، بما فيها حق المقاومة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
وأشار البيان إلى أن هذا الموقف لا يعكس نبض الشارع الجزائري الذي ظل ملتزما بالقضية الفلسطينية ورافضا لأي شكل من أشكال التطبيع أو الانحياز للمشاريع التي تخدم الاحتلال الإسرائيلي، داعيا إلى العودة إلى مبادئ الجزائر وثوابتها التاريخية، وتكثيف الدعم السياسي والفعلي للقضية الفلسطينية.
