شهدت الدراما المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولا لافتا في بنائها الدرامي واختياراتها الفنية، إذ باتت البطولات تُسند بشكل متزايد إلى ممثلين شباب، بعدما كانت الساحة لسنوات طويلة محكومة بحضور أسماء كبيرة من جيل الرواد، مثل محمد البسطاوي، وفاطمة وشاي، وخديجة أسد، وعزيز سعدالله، ومحمد مجد وغيرهم ممن شكلوا ركائز الدراما الوطنية، وبصموا مرحلة كاملة من تاريخ التلفزيون المغربي.
هذا التحول لم يقتصر على تغيير أعمار الممثلين، بل شمل أيضا نوعية المواضيع المختارة، إذ انتقل مركز الاهتمام من الحكايات التي تدور حول الأسرة التقليدية وربها ومسؤولياته، إلى قضايا تعكس تطلعات الشباب وهواجسهم اليومية، مما منح الدراما المغربية نفسا جديدا أقرب إلى واقع الأجيال الحالية، مع حضور لافت لقضايا المرأة باعتبارها بطلة رئيسية، تتصدر قصصا تستعرض معاناتها في المجتمع، ومسارات تحررها، وصراعها من أجل الكرامة وإثبات الذات.
وفي سياق هذا التوجه الجديد في الدراما المغربية، يعرض حاليا مسلسل “يد الحنة” لمخرجه رؤوف الصباحي على القناة الأولى، إذ يعد نموذجا بارزا للأعمال التي يقودها جيل جديد من الفنانين، من بينهم أسامة البسطاوي، وعبد الإله رشيد، وجلال قريوا، إلى جانب مجموعة من الوجوه الأخرى التي تمثل الجيل الجديد من الممثلين.
وتدور أحداث المسلسل حول وفاء، الفتاة التي تنشأ في غياب والدها داخل عالم قاسٍ لا مجال فيه للرحمة، بين أم تبذل ما بوسعها لتأمين لقمة العيش، وأخ يتحمل مسؤوليات تفوق سنه، إذ في غمرة هذا الواقع المرهق، تتولد لدى وفاء رغبة ملحة في انتزاع مستقبل مختلف، بعيدا عن المسار التقليدي الذي تتصوره لها أسرتها.
ومع ضغط أمٍّ ترى الخلاص في زواج يوفر الأمان، وأخ يحاول فرض سلطته بصمت وحذر، تختار وفاء أن تسير عكس التيار، وأن تفتح لنفسها طريقا جديدا من خلال رياضة الملاكمة، محاولة إثبات قدراتها وتحقيق طموحاتها بعيدا عن القيود الاجتماعية.
ويقدم المسلسل، المصنف في الدراما الاجتماعية، صورة مكثفة عن صراع الفرد، وخاصة الشاب، مع واقعه العائلي والاجتماعي، مبرزا قوة الإرادة والشجاعة في مواجهة العقبات لتحقيق الذات.
ويأتي مسلسل “قفطان خديجة” بدوره ليعكس حضور تيمة المرأة القوية في الدراما الحالية من خلال قصة إنسانية تتمحور حول شابة أيضا تدعى ليلى، والتي تنتمي إلى أسرة عريقة تواجه أزمة مالية خانقة تهدد استقرارها.
وتجد ليلى نفسها مجبرة على العودة إلى مهنة جدتها خديجة في تصميم القفطان المغربي التقليدي، لتبدأ رحلة صعبة تعيد فيها بناء ذاتها وتعيد لأسرتها توازنها عبر الفن والتراث، وسط تحديات غير متوقعة تهدد عالمها بأكمله.
ويتحول القفطان في العمل إلى رمز للصمود والأمل، وأداة تعبر من خلالها ليلى عن إرادتها وقوتها في مواجهة المحن، إذ ومن خلال تجربتها، تتعلم دروسا عميقة في الصبر والإبداع والقدرة على النهوض من جديد، لتجسد قصة إنسانية نابضة بالقوة الداخلية، والحب، والتمسك بالقيم العائلية، وتتحول إلى مصدر إلهام لمن حولها.
ويبرز المسلسل، من خلال حكايته وشخصياته، صورة واضحة عن قوة المرأة المغربية في مواجهة الأزمات، مع تسليط الضوء على القفطان كرمز للهوية والثقافة الوطنية، بمشاركة ثلة من الممثلين ضمنهم سحر الصديقي، وطارق البخاري، وندى هداوي، وناصر أقباب، وياسين أحجام، ومحاسن مرابط، وسلوى زرهان، وغيرهم.
أما مسلسل “أنا حرة”، فيغوص في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع المغربي، مسلطا الضوء على العنف ضد المرأة من خلال قصة نور، امرأة تعيش داخل علاقة زوجية مضطربة مع زوج نرجسي يمارس عليها العنف النفسي والجسدي، مستغلا ابنتهما فرح كوسيلة للضغط والتحكم.
ومع مرور الوقت، تدرك نور أن استمرارها في هذه المعاناة يهدد مستقبلها ومستقبل طفلتها، فتدخل في رحلة شاقة نحو الحرية والاستقلال، تصطدم فيها بعراقيل قانونية واجتماعية تعيق طلاقها وانتزاع حضانة ابنتها.
وخلال هذا المسار المتعثر، تعيد نور اكتشاف قوتها الداخلية وتتعلم كيفية مواجهة الخوف والقيود بمساندة أشخاص يقفون إلى جانبها، ليقدم المسلسل صورة مؤثرة عن الصراع بين القيم العائلية والحقوق الفردية، ويحكي قصة كفاح امرأة مغربية تسعى إلى حياة كريمة خالية من العنف والإهانة.
ويشارك في بطولة العمل عبدالسلام بوحسيني، وحنان بنموسي، وعبد الحق بالمجاهد، وأنس الباز، وأمين الناجي، وماريا للواز، وكريمة غيث.
وتكشف الأعمال المعروضة حاليا أن معظم أبطالها من الجيل الشاب، وأن موضوعاتها تلامس قضايا تهمهم بشكل مباشر، بينما تسند الأدوار الثانوية غالبا إلى ممثلين من الجيل السابق، في انعكاس واضح للتغيير الذي تعرفه الدراما المغربية في تركيبة شخصياتها واختياراتها الدرامية.
وينطبق الأمر ذاته على الأعمال التي تم تصويرها حديثا والمقرر عرض عدد منها خلال شهر رمضان المقبل، إذ تتناول بدورها قصص شباب ومعاناتهم في البادية والقرى، كما تركز بعض الأعمال على تيمة المرأة القوية وما تواجهه من تجاوزات اجتماعية وهيمنة ذكورية، وما تتعرض له من ظلم قائم على التمييز المبني على الجنس، مما يعزز حضور الموضوعات النسائية كإحدى أهم ركائز الدراما المعاصرة.
