العنف الزوجي.. فجوات قانونية تُعيد إنتاج “اضطهاد” آلاف النساء بالمغرب

admin27 نوفمبر 2025آخر تحديث :
العنف الزوجي.. فجوات قانونية تُعيد إنتاج “اضطهاد” آلاف النساء بالمغرب


خلف الأبواب الموصدة، تتوارى تجارب كثير من النساء اللائي يعشن واقعا مريرا داخل أسرهن، حيث تتعدد أشكال العنف الزوجي مخلفة ندوبا عميقة في حياتهن بأبعادها النفسية والجسدية والاجتماعية.

ورغم الجهود المبذولة لمحاربة العنف الزوجي وحرص المشرع على توفير الضمانات القانونية الكفيلة بحماية الضحايا، إلا أن الفجوة الكامنة بين القوانين وتطبيقها، فضلا عن ضغط السياق المجتمعي، تظل عوامل ضمن أخرى تحول دون حماية النساء المعنفات وضمان حقوقهن.

ولئن كان العنف الزوجي ليس بالظاهرة الحديثة في المنظومة المجتمعية، حيث غالبا ما يكون الإمعان في ممارسته متدثرا بتمثلات مجتمعية تدفع الضحية للانزواء داخل دائرة الصمت، فإن القوانين التي تشكل إطارا للحماية من هذا العنف، رغم تفعيلها، تواجه تحديات كبيرة في التطبيق، لاسيما في الحالات التي يصعب إثبات العنف فيها، وهو ما يسلط الضوء على تعقيدات العلاقة بين النص من جهة، والتطبيق والسياق المجتمعي من جهة أخرى.

وحسب التقرير السنوي لرئاسة النيابة العامة برسم سنة 2023، الصادر في شهر مارس الماضي، شهدت سنة 2023 تسجيل حوالي 86 ألف شكاية تتعلق بالعنف ضد النساء، مبرزا أن الزوج يظل المشتكى به الرئيسي، حيث يمثل موضوع 51 في المائة من إجمالي الشكايات والمتابع الأول في القضايا التي تم تحريكها، مقابل 44 في المائة خلال سنة 2022.

وأكد الأستاذ المحاضر في القانون الخاص، إبراهيم أيت وركان، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أن القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، شكل خطوة متقدمة في المنظومة التشريعية المؤطرة للعنف ضد المرأة، من خلال وضع تعريف مختلف أشكال العنف، كما سن أحكاما بتغيير وتتميم مجموعة من الفصول في القانون الجنائي وقواعد مسطرية تم بمقتضاها تغيير المسطرة الجنائية، مسجلا أنه تم إحداث مقتضيات مؤسساتية تتمثل في آليات التكفل بالنساء ضحايا العنف والخلايا المركزية والجهوية والمحلية للدعم على مستوى المحاكم ومصالح الأمن، فضلا عن تدابير حماية جديدة تهم المنع من الاقتراب والإيواء والإحالة على الرعاية الصحية.

ولاحظ أن تقارير لمؤسسات دستورية وحقوقية رصدت، في المقابل، وجود فجوات واضحة بين النصوص القانونية وتطبيقها الفعلي، موضحا أن متابعة مرتكبي جرائم العنف الزوجي غالبا ما تتوقف على شكاية الضحية، التي قد تتراجع عنها بسبب ضغوط اجتماعية واقتصادية، مما يجعل القضية عرضة للإسقاط، إلى جانب غياب آجال إلزامية للبحث والتحقيق والحكم، وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تأخير الاستجابة.

كما تطرق آيت وركان إلى تسجيل نقص في مراكز الاستقبال والمواكبة والدعم النفسي والقانوني، ما يؤثر سلبا على رغبة الضحايا في التبليغ عن الجرائم، معتبرا أن الضغط الأسري والاجتماعي يظل عاملا رئيسيا يدفع الكثير من النساء إلى التراجع عن شكاياتهن، مما يجعل معظم حالات العنف الزوجي تقع ضمن ما يعرف ب”الرقم الأسود”، حيث تبقى الكثير من جرائم العنف طي الكتمان.

وفي هذا السياق، اعتبر أستاذ علم النفس الاجتماعي، محسن بنزاكور، في تصريح مماثل، أن الأعراف والتقاليد المجتمعية تكرس، وإن بشكل غير مباشر، ثقافة التبرير للعنف، من خلال مفاهيم مغلوطة مثل “الطاعة المطلقة” و”حب التملك” أو قبول المرأة للعنف باعتباره سلوكا عاديا، لافتا إلى أن هذه التصورات، رغم انحسارها، إلا أنها تظل حاضرة في المخيال الجمعي، وتساهم في إضفاء نوع من “التسامح” إزاء العنف داخل العلاقة الزوجية، لاسيما عندما يتم الاستناد إلى “تأويلات ثقافية مغلوطة” تلبس العنف نوعا من القبول الاجتماعي.

كما تناول المتخصص في علم النفس الاجتماعي أحد مظاهر التغاضي المجتمعي المتمثل في ثقافة الصمت والخوف من “الوصم الاجتماعي”، إذ تتردد الأسر في مواجهة العنف الزوجي بدعوى “العار”، وهو ما يحول هذا الصمت إلى شكل من أشكال “التواطؤ” مع المعتدي، مبرزا أن التبليغ الذي يعد خطوة نحو تحقيق العدالة، ينظر إليه كتهديد لاستقرار الأسرة، ما يدفع العديد من النساء إلى تحمل العنف.

ولم يفت بنزاكور التطرق إلى مسؤولية المؤسسات الاجتماعية والإعلامية، التي تتحمل نصيبا من المسؤولية في ترسيخ صور نمطية للعنف، عبر بعض الإنتاجات السينمائية والإعلانات، التي تعيد إنتاج علاقات قائمة على السيطرة والطاعة بدل المساواة والتكامل، مبرزا أن هذا الانحراف يجعل من العلاقة الزوجية مجالا لإعادة إنتاج أنماط التسلط عوض تعزيز قيم الاحترام المتبادل، مما يرسخ لدى الأفراد تصورات غير سوية للعلاقة الزوجية.

من جانبها، تطرقت مديرة جمعية تحدي للمساواة والمواطنة، بشرى عبده، في تصريح مماثل، إلى العنف النفسي الذي يتعرض له ضحايا العنف الزوجي، حيث يقع عبء الإثبات على الضحايا وهو ما لا يتأتى في أحيان كثيرة، ما يجعلهن قابعات تحت وطأة الخوف نظرا لضعف البدائل المتاحة، كعدد مراكز الإيواء “غير الكافي” أو غياب التمكين الاقتصادي، وهو ما يحول دون مغادرة هذه الفئة لدوامة العنف خاصة في ظل مسؤوليات أسرية يثقل كاهلها وجود أطفال، مسجلة أن هذا الوضع الهش يدفع العديد من النساء إلى التزام الصمت بدل التبليغ، خوفا من المجهول وافتقادا لدعم ملموس.

وبعدما سلطت الضوء على الدور الذي تضطلع به فعاليات المجتمع المدني في هذا المجال من مواكبة نفسية وقانونية وتوعوية لشد عضد الضحايا، ترى عبده أن هذه المجهودات تصطدم بغياب حلول فورية وجذرية وبحدود العلاقة مع المؤسسات، ما يستدعي تعزيز القوانين وتوفير حماية حقيقية للضحايا من مختلف أشكال العنف الزوجي.

ولا ينحصر العنف الزوجي في نوعيه الجسدي والنفسي، بل أضحى مداه يتسع ليشمل العنف الرقمي في صوره المرتبطة بالتحرش الإلكتروني والتشهير والابتزاز، خاصة مع تنامي استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، حيث باتت هذه المنصات مسرحا لارتكاب عمليات عنف زوجي تستحكم حلقاته على الضحايا، وهو ما يفاقم من تعقيدات هذه الظاهرة التي يستدعي القضاء عليها تفعيل آليات تواكب هذا التطور المتسارع.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق