لبرفيسور محمدو لمرابط اجيد – أستاذ تعليم عال
تُعَدّ مكافحة الانحرافات الفكرية بمختلف صورها، سواء تجسّدت في مظاهر التطرّف أو الانحلال القيمي أو أشكال الانزياح السلوكي، من أولويات المملكة العربية السعودية في رؤيتها الفكرية والتنموية. وقد تبنّت المملكة نهجًا يقوم على الرشد المنهجي والتوازن القيمي، وسعت إلى نشر قيم الإسلام السمحة القائمة على الحوار والتعايش، مما جعلها نموذجًا يُستأنس به في العالمين العربي والإسلامي.
وفي هذا السياق، تستعد الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لعقد مؤتمرها الدولي بعنوان: جهود المملكة العربية السعودية في مواجهة الانحرافات الفكرية، وذلك في الفترة من 1–2 شعبان 1447هـ الموافق 20–21 يناير 2025م، بمشاركة أكثر من 28 جنسية وبحوث علمية باللغتين العربية والإنجليزية، في إطار يشمل محاضرات عامة، وجلسات علمية، وورشًا تدريبية، ومعرضًا مصاحبًا.
إن انعقاد هذا المؤتمر في رحاب المدينة المنورة يكتسب بعدًا رمزيًا ومعنويًا عميقًا، فهي مهد المجتمع الإسلامي الأول الذي تأسس على قيم الاتزان الفكري والاعتدال الواعي، بما يضفي على الحدث بُعدًا حضاريًا يؤكد أنّ معالجة الانحرافات الفكرية ليست مجرد استجابة آنية عابرة، بل امتداد لمسار تاريخي ومعرفي، كما أن المشاركة الدولية الواسعة والازدواجية اللغوية للأبحاث تعكس الطابع العالمي للمؤتمر، وتجعله منصة لتبادل الخبرات وإثراء النقاش العلمي حول القضايا الفكرية المعاصرة.
وسوف يتناول المؤتمر موضوع الانحرافات الفكرية من خلال خمسة محاور رئيسة: استعراض المبادرات والبرامج الوطنية والتجارب الناجحة في مكافحة التطرف، الانحلال الفكري من حيث أسبابه وآثاره وسبل معالجته، دور الصحة النفسية في الوقاية من الانحرافات الفكرية ونشر الوعي بها، العقيدة الصحيحة وأهميتها في تحصين الفرد والمجتمع، ثم الأدوار المؤسسية التي تضطلع بها الأجهزة الأمنية والتعليمية والإعلامية والقطاع الثالث في التصدي لهذه الظاهرة. ويكشف هذا البناء الموضوعي لمحاور المؤتمر أنّه لن يقتصر على البُعد العقدي أو الأمني فحسب، وإنما يسعى إلى مقاربة متكاملة تتداخل فيها الأبعاد الفكرية والنفسية والاجتماعية والمؤسسية.
وتبرز أهمية المؤتمر أيضًا من خلال دور الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، بوصفها مؤسسة علمية جامعة ذات رسالة عالمية، عملت على نشر قيم الرشد الفكري وتعزيز مكانة المعرفة الشرعية الرصينة، ويتجلى هذا الدور في ظل قيادة رئيسها الحالي الأستاذ الدكتور صالح بن علي العقلا، الذي يسعى إلى جعل الجامعة فضاءً منفتحًا على الشراكات العلمية ومركزًا بحثيًا رائدًا في قضايا الأمن الفكري، وقد سعدتُ بلقائه في مناسبة توقيع مذكرة تعاون بين جامعةالعلوم الإسلامية بلعيون والجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، حيث لمستُ حرصه على تحويل هذه المؤسسة الجامعية العريقة إلى منارة علمية تستوعب التحديات المعاصرة، دون أن يكون هدفها مجرد التعليم التقليدي، بل توسيع دائرة البحث العلمي والمشاركة المجتمعية.
إن المؤتمر المزمع تنظيمه يعكس إدراكًا عميقًا بأن مواجهة الانحرافات الفكرية تستلزم معالجة متعددة الأبعاد؛ عقدية، تعزز العقيدة الصحيحة وتحصّن الأفراد، ونفسية واجتماعية تُدرج الصحة النفسية والرعاية المجتمعية ضمن أدوات الوقاية والمعالجة، ومؤسسية تفعّل أدوار الأمن والتعليم والإعلام والمجتمع المدني في سياق واحد متكامل، ووطنية تُبرز نجاحات البرامج السعودية وتجعلها نماذج يُستفاد منها عالميًا. وبهذا المعنى فإن المؤتمر يجسّد فلسفة تقوم على التوازن الحضاري، وإدراك أنّ تحصين العقول ليس مهمة جهة واحدة، بل مشروع تشاركي بين مختلف المؤسسات.
إن انعقاد مؤتمر جهود المملكة العربية السعودية في مواجهة الانحرافات الفكرية في يناير 2025 يمثّل محطة مهمة في مسار طويل من الجهود السعودية لحماية الفكر وصيانة المجتمع، وهو يترجم رؤية وطنية قائمة على الاتزان الفكري والاعتدال الواعي، ويؤكد أنّ الانحرافات الفكرية لا تُعالج بالأدوات الأمنية وحدها، وإنما بالبحث العلمي، والرعاية النفسية، والإسهام المؤسسي، والتواصل الدولي. كما يعكس المؤتمر بجلاء رؤية الجامعة الإسلامية بقيادة الدكتور صالح بن علي العقلا في جعل المعرفة أداة استراتيجية لبناء مناعة فكرية مستدامة، وترسيخ قيم الرشد المنهجي والتوازن القيمي على المستويين المحلي والعالمي.

