مسلحة بإيمان راسخ وعزيمة لا تلين، تجسد مليكة بورحلة التعبئة والصمود اللذين أظهرتهما المرأة المغربية التي استجابت تلقائيا لنداء الوطن خلال المسيرة الخضراء المظفرة، مؤكدة روح الالتزام الوطني والتشبث الصادق بالوطن.
كانت مليكة، المزدادة سنة 1955 بمدينة وجدة، في عقدها الثاني عندما قررت الالتحاق بصفوف المتطوعين في المسيرة الخضراء بعد النداء الذي وجهه الملك الراحل الحسن الثاني. ومن دون أي إعداد أو تخطيط مسبق، لم تتردد لحظة واحدة، مدفوعة برغبة قوية في المساهمة في هذا الحدث التاريخي الذي أعاد جزءا من التراب الوطني.
ومن بين ثلاثة آلاف متطوع من جهة الشرق، من بينهم ثلاثمائة امرأة، كانت مليكة واحدة من بين شابات جرى اختيارهن للخضوع لتكوين مكثف دام ثلاثة أيام من طرف الهلال الأحمر المغربي، استعدادا للقيام بمهام إنسانية ميدانية خلال هذه الملحمة التاريخية.
وفي حديث خصت به وكالة المغرب العربي للأنباء، تسترجع مليكة بفخر تلك اللحظات التي سبقت الانطلاق، إذ كانت المدينة تعيش على إيقاع تعبئة شاملة، مشيرة إلى أن والدتها، التي ربتها على حب الوطن والتضحية وتنحدر من أسرة قاومت من أجل استقلال المغرب، هي التي شجعتها على خوض هذه التجربة.
وتقول، وقد غلبت عليها مشاعر التأثر، إن دعاء والدتها وابتسامتها كانا مصدر دعم وسند لها طوال الرحلة، مبرزة أنه عند لحظة الانطلاق تجمع المتطوعون بساحة “واد الناشف” وسط أجواء مفعمة بروح الوطنية والفخر والوفاء للوطن.
وقد شهد المكان تنظيم حفل كبير تخللته صلوات وتلاوة آيات من الذكر الحكيم وأمداح نبوية، قبل أن تتجه القوافل نحو محطة القطار وسط تصفيقات وتشجيعات المواطنين.
وتستعيد مليكة بكثير من الاعتزاز أجواء الانضباط والحماس التي ميزت الرحلة من وجدة إلى مراكش، ثم إلى طرفاية، حيث ظل المتطوعون يرددون الأناشيد الوطنية والأغاني الشعبية التي كانت تبعث الحماس وتوطد الإيمان بعدالة القضية الوطنية.
كما تتذكر كيف التحمت وفود المتطوعين القادمين من مختلف أقاليم المملكة في مشاهد وطنية مهيبة جسدت أروع صور الوحدة والتضامن، قبل مواصلة المسير نحو منطقة الطاح، حيث اجتاز المتطوعون “الحدود الوهمية” التي وضعها المستعمر.
واليوم، وهي في عقدها السابع، ما تزال مليكة تستحضر مشهد رفع المصحف الشريف والعلم الوطني من طرف المشاركين في المسيرة، وهو مشهد تقول إنه انطبع في ذاكرتها إلى الأبد كرمز للسلام والإيمان والوحدة.
وتضيف: “لم تكن بحوزتنا أي أسلحة، كان سلاحنا الوحيد هو الإيمان والعزم على بلوغ الهدف”.
وبصفتها عضوا في الفريق الطبي المرافق للمتطوعين القادمين من وجدة، تولت مليكة توزيع المؤن والماء والمواد الغذائية طوال الرحلة، ذهابا وإيابا، معتبرة أن هذه التجربة شكلت “درسا وطنيا وإنسانيا لا ينسى”.
كما تتذكر الاستقبال الكبير الذي حظي به المتطوعون في مختلف المدن التي مروا بها، قائلة: “في محطة القطار بوجدة استقبلنا السكان كالأبطال، وزودنا بأوسمة المسيرة وبطاقات المشاركة، وكانت لحظة فخر سأحتفظ بها ما حييت”.
وتختم مليكة بورحلة حديثها بالقول: “لو دعيت اليوم إلى مسيرة أخرى من أجل الوطن، سأكون أول من يلبي النداء”، مؤكدة بذلك فخرها واعتزازها بهذه الملحمة الوطنية التي ساهمت في كتابة إحدى الصفحات المشرقة في تاريخ المغرب الحديث.
