كأس إفريقيا ومنطق الدولة في زمن الضجيج

admin31 ديسمبر 2025آخر تحديث :
كأس إفريقيا ومنطق الدولة في زمن الضجيج


في لحظةٍ قارية يتداخل فيها الرياضي بالسياسي، والرمزي بالسيادي، لا يمكن النظر إلى تنظيم المغرب لكأس إفريقيا لسنة  2025   باعتباره مجرد تظاهرة كروية عابرة، بل هو حدث دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

 حدث يُدار بعقل استراتيجي، ويُنفّذ بمنطق السيادة، ويُقرأ في سياق معركة أوسع حول الصورة، والمكانة، والقدرة على الفعل في زمن الشك والتشكيك، زمنٍ صار فيه النجاح نفسه يُعدّ استفزازًا لمن بنى شرعيته على الفشل المؤجل.

المغرب، وهو يفتح أبوابه للقارة الإفريقية، لا يستقبل منتخبات فقط، بل يستقبل التاريخ والجغرافيا والسياسة، يستقبل إفريقيا التي تعرفه جيدًا: دولة استمرارية، لا دولة مناسبات؛ دولة مؤسسات، لا دولة ردود أفعال، إفريقيا التي تميّز بين من يحضر كشريك، ومن يحضر كعبء، وبين من يستثمر في الاستقرار، ومن يتغذّى من الهشاشة.

من هنا، فإن التنظيم ليس صدفة، ولا منّة من أحد، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الاستثمار في البنية التحتية، وفي الرأسمال البشري، وفي فكرة الدولة التي لا تكتفي بالوجود، بل تُتقن الحضور. حضور يُربك نماذج اعتادت العيش على الدعم الخارجي، أو على تبرير العجز بعناوين كبرى لم تعد تقنع أحدًا.

الذين يختزلون الحدث في “كرة تُلعب” هم أنفسهم أصحاب الرؤوس المربعة، العاجزون عن فهم أن الرياضة اليوم هي أداة قوة ناعمة، ووسيلة لإعادة ترتيب التوازنات الرمزية، بل وأحيانًا لتكريس اصطفافات جديدة خارج القنوات التقليدية. وغالبًا ما يكون هذا العجز نابعًا من خوف عميق من المقارنة، لأن المقارنة تُسقط الأقنعة.

أما أعداء الوطن، فيرون في كل نجاح مغربي مصدر قلق، وفي كل إشادة دولية مؤامرة، لأنهم تعوّدوا قراءة العالم بمنطق المؤامرة لا بمنطق الفعل. لا يزعجهم التنظيم في حد ذاته، بل يزعجهم ما يرمز إليه: دولة تُراكم الثقة، وتتحول إلى مرجع، في حين يظل آخرون أسرى صور نمطية تجاوزها الزمن.

المغرب، على عكسهم، لا يصرخ، بل يشتغل؛ لا يبرر، بل يُنجز. ومن لم ينجح في بناء نموذج داخلي قابل للحياة، لن يحتمل رؤية نموذج آخر يشتغل أمام أعين الجميع، بلا وصاية، وبلا ضجيج.

إن تنظيم كأس إفريقيا هو رسالة سياسية هادئة لكنها عميقة: مفادها أن هذا البلد قادر على الجمع بين الأمن والانفتاح، بين التنظيم والفرجة، بين الصرامة والاحتفال. رسالة تقول إن الاستقرار ليس صدفة، وإن الثقة الدولية لا تُمنح مجانًا، بل تُبنى عبر الزمن، وعبر احترام الالتزامات، وعبر دولة تعرف كيف تدير الاختلاف دون أن تهتز.

إن الرهان الحقيقي في تنظيم كأس إفريقيا لا يكمن فقط في النجاح اللوجستي أو الأمني، بل في ما يخلّفه الحدث من أثر طويل المدى في الوعي الإفريقي الجماعي.

فالدول لا تُقاس فقط بما تنجزه في لحظة، بل بما تزرعه من ثقة، وبما تتركه من انطباع قابل للاستمرار. والمغرب، وهو يستثمر في هذه التظاهرة، يراكم رصيدًا رمزيًا لا يقل قيمة عن الاستثمارات المادية: رصيد الدولة التي تحترم مواعيدها، وتفي بتعهداتها، وتتعامل مع القارة من موقع الشريك لا الوصي، ومن منطق المسؤولية لا الاستعراض.

بهذا المعنى، تتحول كأس إفريقيا إلى منصة غير معلنة لإعادة تعريف القيادة الهادئة في إفريقيا: قيادة لا تُبنى على الخطابة، ولا على استحضار الماضي وحده، بل على القدرة على خلق وقائع ملموسة، وتجارب ناجحة، ونماذج قابلة للتكرار. وهو ما يجعل من المغرب فاعلًا يُحسب له الحساب، ليس لأنه يطلب الاعتراف، بل لأنه يفرضه بالإنجاز.

هنا بالضبط يُهزم خطاب الكراهية، ويُفكك منطق التشكيك، لا عبر الرد عليه، بل عبر تجاوزه. لأن الدولة التي تدرك وزنها الإقليمي، لا تدخل في سجالات هامشية او تراشق إعلامي عقيم، ولا تُقايض موقعها بتغريدة أو تصريح بدون قيمة، فالواقع، حين يكون متماسكًا ومتسلسلا في خيط ناظم رفيع، يحجب بسهولة أي حملة أو دعاية رخيصة.

كأس إفريقيا في المغرب ليست فقط بطولة، بل مرآة دولة،مرآة تعكس قدرة على التنظيم في محيط إقليمي مضطرب، وعلى فتح المجال العام دون المساس بالأمن والسلم الاجتماعي، وعلى إدارة الاختلاف داخل فضاء جامع يستند على ثوابث ومبادئ راسخة، مرآة تُظهر الفرق بين من يبني الدولة بمفهومها الحقيقي، ومن يستعملها كشعار زائف لاستدامة أوضاع سياسية مختلة.

في المحصلة، لا ينظم المغرب كأس إفريقيا ليثبت شيئا لأحد، بل لأنه ببساطة يعرف ما يريد، ويعرف إلى أين يتجه. الحدث يمر، لكن أثره يبقى؛ المباريات والبطولة الرياضية تنتهي، لكن صورة الدولة المغربية ستترسخ كفاعل اقليمي وازن وشريك دولي موثوق.

وفي زمن تتساقط فيه الأقنعة بسرعة، ويفضح فيه الادعاء أمام صلابة الواقع، يصبح الإنجاز الصامت أبلغ من ألف خطاب.

كأس إفريقيا في المغرب ليست لحظة احتفال فقط، بل لحظة فرز: فرز بين من يتقن بناء الدولة، ومن يكتفي باستهلاك شعاراتها؛ بين من يراهن على المستقبل، ومن يعيش على عداوة نجاح الآخرين.

أما المغرب، فقد اختار موقعه بوضوح: دولة تعرف وزنها، وتتحرك بثبات، وتصعد بعزيمة وإصرار، وتترك للضجيج أن يتآكل وحده وأن يؤول إلى مصيره المحتوم، لأن التاريخ، في النهاية، لا يصغي إلا لمن يشتغل ولا يخلد الا الذي ينجز.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق