ولد عبد القادر.. إداري لم تغوه السلطة للتنازل عن مبادئه صحراء ميديا

adminمنذ 3 ساعاتآخر تحديث :
ولد عبد القادر.. إداري لم تغوه السلطة للتنازل عن مبادئه صحراء ميديا


وقف الطالب إسلم ولد عبد القادر، رفقة مجموعة من الطلاب والأساتذة، أمام سفارة ألمانيا الغربية يهتفون وينددون بإرسالها الأسلحة إلى إسرائيل. شاهد محتجين يتسلقون السارية ويزيلون العلم، ثم اقتحموا السفارة.

كانت تلك أول مظاهرة تنظم في العاصمة نواكشوط عام 1965، شارك فيها إسلم ولد عبد القادر، وكان في مقدمتها سيد أحمد بنيجاره، وأحمد الزين، وسيدي محمد السميدع.

شكلت تلك المظاهرة بداية تفتح ذهن الطالب على السياسة وممارسة العمل النضالي ضد الرئيس المختار ولد داداه، والانخراط في العمل السري ضمن حركة الكادحين.

لا يحب ولد عبد القادر الحديث عن “الأنا”، ويقول إنها من أسباب المشاكل والصراع السياسي والاقتصادي، إلا أنه يظل من الموريتانيين الذين كانوا شاهدين على المحطات الفاصلة في تاريخ الدولة المعاصر.

الدراسة خلسة

ولد إسلم في إحدى بوادي تكانت، حيث عاش طفولته هناك، يتذكر أنه كان يسرح الغنم عندما كان صغيرا، وكان والده يعول عليه في رعاية الماشية، خاصة في غيابه، ولم يكن يتصور أنه سيدرس في مدرسة الاستعمار الفرنسي، وإن كان أهل المنطقة يقبلون عليها ولا تعد من المحظورات عندهم.

استغل الابن غياب الأب في مهمة استغرقت شهرين ليسجل في المدرسة عام 1961 باسم محمد المختار، وهنا اكتشف معلمه ذكاءه وسرعة استيعابه للدروس، فأجرى له المفتش العام نوبل امتحانًا بعد شهرين، نجح فيه ثم نقله إلى السنة الثانية.

عاد الأب من الرحلة ليجد الطفل يدرس في المدرسة، فأخذ بيده وهم بإخراجه منها والسفر به، إلا أن صديق العائلة، ويدعى المعلوم ولد برهام، تدخل وأقنع الوالد بالتراجع عن القرار وإعادته إلى المدرسة.

يقول ولد عبد القادر في حديث له في بودكاست مبتدأ: “المعلوم رجل نبيه وعاقل، عندما شاهدنا نتجهز للسفر جاء إلى الوالد وقال: لا تضيع مستقبل الطفل، اتركه يدرس، وأقنعه بذلك”.

عاد الطفل إلى المدرسة في الفترة نفسها، ولم يمض في السنة الثانية إلا شهرين حتى نقلوه إلى المستوى الثالث، كان ذكيًا يتعلم بسرعة، وكان مستواه يفوق أقرانه في القسم.

لم يطق إسلم الحياة في تجكجه جراء الصراع الاجتماعي، فركب طائرة من نوع “جنكر” وغادر بها إلى مدينة لعيون شرقي موريتانيا. وصل إليها ولم يكن يملك مالًا، وكان وضعه مثيرًا للشفقة.

احتضنه مدير المدرسة فرانسوا سيدي عالي، الذي يكنّ له الكثير من الاحترام، ويعود إليه الفضل في مواصلة دراسته في المرحلة الابتدائية، يقول ولد عبد القادر: “كان هذا الرجل بمثابة أب، وعائلته آوتني وأكرمتني خلال دراستي هناك، ولم يبخل علي في شيء”.

تفوق التلميذ في مسابقة دخول الإعدادية، إذ حصل على المرتبة الأولى وطنيا، مما مهد له الحصول على منحة إلى نواكشوط للدراسة في الثانوية الوطنية.

دخل الثانوية الوطنية عام 1964، وهناك بدأ يحتك بالطلاب من مختلف مشارب موريتانيا، وينضج سياسيًا مع تصاعد الحركة الطلابية المطالبة بترسيم اللغة العربية.

شارك في أول مظاهرة مناهضة لألمانيا الغربية، وكان ذلك عام 1965، وتعد أول مظاهرة تُنظَّم في العاصمة نواكشوط. وكان يقودها سيد أحمد بنيجاره، وأحمد الزين، وسيدي محمد السميدع.

يتذكر ولد عبد القادر أن المحتجين أزالوا علم ألمانيا واقتحموا مقر السفارة، الذي لم يكن محروسا.، وكانت الحركات الطلابية والمدرسون متأثرين بالمد القومي العربي الذي كان يعيش فترته الذهبية في تلك الحقبة.

العمل السري

انخرط إسلم بعد ذلك في العمل السري، ونشط ضمن خلايا حركة الكادحين سرًا، فقد كان من بين الطلاب القلائل الذين وزعوا أول منشور تصدره الحركة عام 1969.

كانت حركة الكادحين، التي تأسست عام 1968، إحدى أهم الحركات المعارضة لنظام المختار ولد داداه، ونشطت بشكل سري في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وكان تأثيرها قويا في أوساط المدارس والعمال، إذ أقلقت النظام في تلك الفترة.

يقول إسلم إن أول منشور وزعته الحركة صدر من العاصمة السنغالية داكار، ووزعه عليهم الطالب محمد لمرابط، الذي جند عشرات من الشباب في صفوفهم، من بينهم هو.

جاء المنشور الأول في ذكرى أحداث ازويرات عام 1968، وقد طالبت الحركة فيه بتأميم ميفرما وترسيم اللغة العربية، بالإضافة إلى إصلاحات اقتصادية أخرى.

شكّل هذا المنشور الشرارة الأولى لبدء عمل الحركة على إصدار المناشير، وكان إسلم من بين الخلايا التي تتولى توزيعها، حيث نشط في خلية تضم في عضويتها الوزير السابق الداه ولد عبد الجليل.

حصل إسلم على شهادة ختم الدروس الإعدادية، وفضل الولوج إلى سوق العمل بحكم الوضع المادي لأسرته، فسجل في مدرسة تكوين المعلمين، إلا أن مهنة التدريس لم تستهوه، فترك المدرسة بعد شهرين.

اكتتب كاتبَ ضبط عام 1971، واشتغل في مكتب التحقيقات بالعاصمة نواكشوط، وكانت الجرائم آنذاك في أغلبها احتيالًا وسرقة وفسادًا ماليًا، واطّلع خلالها على عدة ملفات، من بينها ملف الشيباني ولد هيبة المتهم باختلاس 400 ألف فرنك إفريقي، إلا أن ولد عبد القادر رأى أن التهمة كانت ملفقة.

يقول إن الوزير ولد هيبة من عائلة أرستقراطية غنية، وثروتها تفوق ميزانية الدولة الموريتانية، ووالده خدم في الإدارة الإقليمية، ولذلك فإن اختلاسه مبلغ 400 ألف فرنك أمر غير وارد.

ويضيف أن الفرضية التي اتجه إليها هي أن الملف مسيس، لأن ولد الشيباني كان ينظر إليه على أنه ناضج ومثقف، ويمكن أن يكون رئيسا للدولة، ولذلك يشكل خطرًا على الرئيس المختار ولد داداه.

أثبت إسلم ولد عبد القادر، خلال عمله في الخلايا، أنه قادر على كتمان السر، وهو شرط يؤهله لاستحقاق عضوية حزب الكادحين؛ فالانتساب إليه ليس بالأمر السهل، إذ يمر عبر مراحل تُعد بمثابة اختبارات نضالية.

مشروع الكفاح المسلح

حُوِّل ولد عبد القادر إلى العمل كاتبَ ضبط في مدينة النعمة، فوجدت الحركة في ذلك فرصة لتأسيس جناح لها في الحوضين الشرقي والغربي، حيث لم يكن تأثيرها قد وصل إلى هذه المناطق.

استغل كاتب الضبط عمله لتجنيد الشباب في تمبدغة والنعمة وبوصطيلة وفصالة، وكان نشطا في نشر أفكار الحركة فيها، ولم يقف عند هذا الحد، فقد أسس منظمة تهدف إلى مناهضة العبودية ومحاربتها يوم 23 مايو 1973.

وفي تلك السنة أصدرت الحكومة الموريتانية قرارا بحصر السلاح في يد الدولة ومصادرة جميع الأسلحة غير القانونية، وتولى إسلم ولد عبد القادر مهمة تخزين وتقييد السلاح المصادَر.

رأى إسلم أن بإمكانه تهريب هذا السلاح في حال أطلقت الحركة كفاحًا مسلحًا ضد النظام، وهي فكرة كانت قائمة وتدرسها الحركة في السبعينيات.

يقول ولد عبد القادر إن القيادة رأت أن الكفاح المسلح هو السبيل الوحيد لإسقاط هذا النظام الذي “يتعنت في إجراء إصلاحات كبرى تمهد لاستقلال الدولة عن التبعية لفرنسا”، على حد تعبيره.

كلّف إسلم ولد عبد القادر بمهمة إلى منطقة أزواد لبحث تضاريسها وجغرافيتها، ومدى ملاءمتها لتكون الشرارة للكفاح المسلح ضد نظام المختار ولد داداه، حيث كتب تقريرا مفصلًا عن هذه المهمة ورفعه إلى القيادة.

بدأ الاستعداد لمشروع الكفاح المسلح بتخزين مؤن غذائية في عدد من المناطق مع الأسلحة، ويقول ولد عبد القادر إن بعض هذه المخزونات ما يزال موجودا ولم يكشف عنه حتى اليوم.

عاد إسلم إلى نواكشوط دون أن تكتشف السلطات عمله السري في حركة الكادحين، أو نشاطه في نشر أفكارها في الشرق الموريتاني، وتدريس القراءة والكتابة لعدد من المهمشين الأميين.

الجريمة المرعبة

لم يمكث كاتب الضبط سوى بضعة أشهر في عمله في نواكشوط، حتى استدعته وزارة العدل على عجل للمشاركة في تحقيق حول اختفاء تاجر موريتاني في منطقة عوينات الزبل، وهي حادثة سرعان ما هزّت الرأي العام في موريتانيا.

شارك في التحقيق واستجوب عشرات الموريتانيين من سكان المنطقة في محاولة لتفكيك ملابسات الاختفاء. وخلال التحريات برز خيط أولي عندما أفادت سيدة بأنها شاهدت رجالًا يقطعون جسد إنسان بالسكاكين ثم يحرقونه على النار.

كانت المشاهد صادمة إلى حد أصابها بانهيار عصبي، وتزامن ذلك مع اختفاء التاجر، ما عزّز لدى المحققين فرضية وقوع جريمة قتل.

أعاد المحققون النظر في محضر كان الدرك قد حرره أيام الاختفاء، يفيد بأن التاجر أمضى الليلة التي سبقت اختفاءه عند رجل يُدعى سوداني، بعدما أودع لديه رحل الجمل وشداده وخرجه، على أن يعود لاحقا بعد رحلة بحث عن جمل ضلّ منه.

لكن المفاجأة التي تكشّفت لاحقا كانت أن الرجل الذي قضى الليلة عنده لم يكن التاجر نفسه، بل شخصا انتحل هويته، وقد تعرف عليه صاحب المنزل عندما استدعاه الدرك، فعرضوا عليه نحو ثمانين متهما وطلبوا منه تحديد الشخص الذي جاءه مدعيًا أنه التاجر، فأشار مباشرة إلى الرجل الذي تبين أنه المتهم بقتل التاجر.

تفكك والعودة للدراسة

استأنف إسلم دراسته وحصل على الباكالوريا، مما مهد له الحصول على منحة للدراسة في المدرسة الوطنية للإدارة سنة 1975، وتخرج منها بعد أربع سنوات، ثم منح فرصة الذهاب إلى فرنسا لمواصلة دراسته.

وتزامنت فترة دراسته في المدرسة الوطنية للإدارة مع تفكك حركة الكادحين، بعد أن أجرى الرئيس المختار ولد داداه إصلاحات كانت الحركة تطالب بها، فقد انقسمت الحركة إلى جناح يؤيد الاندماج في حزب الشعب ويقوده محمدن اشدو ومحمد المصطفى ولد بدر الدين، وجناح يرفض الفكرة يتقدمه محمد ولد مولود.

كان ولد عبد القادر أقرب إلى الجناح المؤيد لفكرة الاندماج، فانضم معهم إلى حزب الشعب، مبررين ذلك بأن المختار سلك طريق الإصلاح، وأن عليهم الانخراط في الحزب حتى لا يتركوا “اليمين” يبسط نفوذه داخل الدولة.

انتهى حكم ولد داداه بانقلاب عسكري، تصارع خلاله الجيش على السلطة ما بين عامي 1978 و1980، مع وصول محمد خونه ولد هيداله إلى السلطة عقب سقوط طائرة أحمد ولد بوسيف في السنغال.

كان إسلم ولد عبد القادر في فرنسا، حيث استقر هناك، إلا أن مرض والدته فرض عليه العودة للاطمئنان عليها، وعند وصوله إلى نواكشوط احتجزت السلطات جواز سفره، وتم توقيفه ليومين للتحقيق معه بخصوص انتمائه للحركة الوطنية الديمقراطية المعارضة.

ينفي ولد عبد القادر، في بودكاست “مبتدأ”، الانتماء إلى هذه الحركة، التي يقول إنه يخالف توجهاتها وقناعاتها المتعلقة بأن “الزنوج اضطهدهم مكوّن البيظان المسيطر على مفاصل الدولة في تلك المرحلة”.

ويضيف أن هذه الفئة في تلك الفترة كانت جزءا من نظام المختار ولد داداه، وحتى بعد وصول العسكر إلى السلطة، وأن “قناعاتي تقول إنهم لم يكونوا مهمشين أو مضطهدين”، على حد تعبيره.

التعيين المفاجئ

بينما كان جواز سفره محتجزًا، سمع عبر الراديو اسمه ضمن التعيينات الجديدة، على أنه عين حاكما لمقاطعة أمبود، انتابه الشك في أن يكون المقصود هو بالفعل، خاصة أنه كان يصنّف ضمن المعارضين.

وللتأكد من الأمر، التقى بالوزير بحام ولد محمد لغظف، الذي أبلغه بأن التعيين يعنيه شخصيا، وطلب منه الالتحاق بعمله.

كانت المهمة الأولى المكلَّف بها تسوية نزاع عقاري في أمبود، تمهيدا لتشييد سد “فم لكليته” الممول من طرف البنك الدولي، ويعد من المشاريع الحيوية في مجال الموارد المائية، إذ يلعب دورا محوريا في توفير المياه للزراعة والشرب ودعم التنمية المحلية.

لم تكن معالجة هذا النزاع سهلة، فقد تطلب العمل على فضه أسابيع من المفاوضات الماراثونية مع الأطراف المتنازعة، إلا أن تكوين الحاكم في مجال العقارات كان عاملًا حاسمًا في تسوية هذا الملف.

بعد ستة أشهر في أمبود، عيّن ولد عبد القادر واليًا للحوض الشرقي، حيث سيعود إليها هذه المرة ممثلًا للدولة، لا موظفًا معارضا ينشط سرا في حركة الكادحين ضد نظام المختار ولد داداه.

عاد إلى النعمة وبحوزته السلطة والأمن يحتكمان لأوامره، في الوقت الذي ما يزال الرفاق الذين جندهم ينشطون ضمن الحركة الوطنية الديمقراطية التي ورثت بقايا حركة الكادحين.

قال إن هذا التعيين شكل حرجا وعبئا عليه، إذ سيعود إلى الولاية التي جند فيها خلايا معارضة ما تزال تنشط ضمن الحركة الوطنية الديمقراطية، وكان يؤطرهم ويبث فيهم الوعي، ويحثهم على النضال وانتزاع الحقوق، بينما يعود هذه المرة ممثلًا للسلطة.

وتفاديا للاحتكاك، وإثباتا أن تلك القناعات ما تزال حاضرة لديه، عمل خلال فترته واليا على توزيع المساعدات على الطبقات المهمشة وحفر آبار في تجمعاتهم، وهو ما أثار غضب واستهجان من يسميهم “شيوخ القبائل”، فقد راسلوا الإدارة المركزية التي استجابت لضغوطهم بإقالته من منصبه.

الإصلاح العقاري

ويعد إسلم ولد عبد القادر من الإداريين الموريتانيين القلائل المكونين في مجال العقار، ويملك خبرة كبيرة في هذا المجال، ما جعل الحكومة في عهد محمد خونه ولد هيداله تستدعيه للمشاركة في صياغة قانون الإصلاح العقاري عام 1983.

شارك إسلم، مع العلامة الراحل محمد سالم ولد عدود، في صياغة هذا القانون الإصلاحي، الذي ينص على أن الحق في ملكية الأرض لا يثبت لأي مجموعة إلا إذا كانت قد قامت بزراعتها أو أقامت عليها مأوى دائم قبل عام 1960، على أن تقدم مستندات وأدلة قانونية ملموسة تثبت ذلك الحق.

وأوضح الإداري أن القانون ينص على مبدأ التفريد، الذي يعني أن الأرض المزروعة التابعة للقبيلة تُوزَّع بالتساوي بين أعضائها.

وأضاف أنه في حال رفضت المجموعة تحويل الأرض إلى رابطة جماعية لإدارتها بشكل مشترك، يُطبَّق نظام التخصيص الفردي، بحيث يحصل كل عضو على حصة محددة وفق قواعد عادلة وشفافة.

كان الهدف من هذا القانون قطع الطريق أمام حيازة “القبائل” للأراضي أو الادعاء بأنها ملك لها، وتحديد إطار قانوني واضح لملكية الأرض وحق الانتفاع بها، “بما يضمن الفصل بين الملكية الجماعية والفردية ويحد من النزاعات المحتملة“.

امتحان للإنسانية

وبعد سنوات من العمل مستشارًا، عينه الرئيس الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع واليا على ولاية الحوض الغربي عام 1990، وهي أعوام كانت حرجة لما شهدته من أحداث ومواجهات مع حركة “فلام”.

ولم تمنع السلطة الإدارية التي يتمتع بها الوالي إسلم ولد عبد القادر من التمسك بمبادئه السياسية وأخلاقه، فقد خاض امتحانًا إنسانيًا عندما كان واليا.

وما يزال يتذكر مجموعة من المعتقلين المتهمين بالانتماء إلى “فلام” وصلوا إلى مدينة العيون قادمين من السجن في ولاته، وهم في وضع إنساني صعب؛ رجال أنهكهم القيد، ونحلت أجسادهم حتى غدوا أشباحًا بشرية، وأعينهم غائرة في محاجرها.

لم يتمالك الوالي نفسه متأثرا بحالتهم، فما كان منه إلا أن ألبسهم ثيابا جديدة، وأعطاهم الطعام، وأمر برعايتهم وتخفيف ما هم فيه من ضيق وعناء.

نُقل الوالي إلى ولاية لبراكنه بعد أشهر قليلة، ولم تكن مهمته في هذه الولاية سهلة، فقد كانت مسرحا للمواجهات والكر والفر بين الأمن الموريتاني وحركة “فلام” التي كانت تملك خلايا فيها.

كان في مكتبه يقلب الملفات المتراصة على الأرفف، وقد تسلم مهامه لتوه، طرق البابَ أحد عناصر الدرك، فدخل وحيّاه تحية عسكرية، وأبلغه بوجود سجناء في حالة يرثى لها في قرية بوحديدة، وقد يفارقون الحياة في أي وقت، فما كان من الوالي إلا أن ركب معه في السيارة وانطلقا إلى عين المكان.

كانت الساعة الثالثة زوالًا، لا شيء يتحرك في القرية، وكانت هادئة، والمشهد لا يوحي بأن جدرانها يختبئ وراءها أنين وصراخ أحياء أموات؛ بعضهم فقد الأمل في الخروج، وآخرون يرون أن “الموت هو الخلاص“، كانوا يتكدسون في بيت صغير يكاد يتسع لأربعة أشخاص، فضلًا عن 51 شخصًا.

فتح الدركي الباب ودخل الوالي البيت، فكان أمام مشهد سيدات بالكاد يجلسن بأجساد منهكة، ورجال يقفون على رجل واحدة حتى تبقى النساء جالسات، وقد أكل السجن من لحمهم حتى صاروا أشباحا بشرية؛ نحفاء إلى حد الهزال، وأعينهم الغائرة تحكي ما عجزت الكلمات عن قوله.

يصف الوالي هذه المشاهد بدقة بعد مرور 35 سنة على هذا الحادث، يقول إنه سارع إلى الأسواق وجلب لهم الأكل والشرب والملابس، كما أمر بإجراء فحوص لهم والعناية بهم.

حزن الرئيس

لم يرق للسلطات إغاثة الوالي لهؤلاء، فاستدعته وزارة الداخلية إلى نواكشوط لاتخاذ إجراءات في حقه، من بينها عزله من منصبه. إلا أنه طلب من وزير الداخلية لقاء الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع، فوافق هذا الأخير على اللقاء.

دخل على ولد الطايع في مكتبه، فرأى الغضب يتطاير من وجه الرئيس، الذي قال له إن الخطوة التي قام بها جنون، وإن ما كان ينبغي له أن يسعف “المتمردين” من حركة فلام.

أنهى الطايع كلامه، ليبدأ ولد عبد القادر سرد الانتهاكات الإنسانية منذ بدء الأحداث العرقية، وأنها وصلت إلى حد ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في حق موريتانيين أبرياء.

وكان من بين الأحداث التي حكى له عنها أن أطفالًا حفظوا القرآن الكريم كانوا يقطنون في إحدى المناطق، وسافروا مع أولياء أمورهم من أجل تخضيب أيديهم بالحناء احتفاءً بحفظهم القرآن، ليتم توقيفهم ثم إعدامهم.

استدار الرئيس معاوية ولد الطايع بظهره، وعيناه تلمعان، وقد تغيّر وجهه الذي بدا شاحبًا. أخرج منديلًا ومسح عينيه وأنفه، ثم طلب منه العودة إلى العمل، بحكم أن الدولة بحاجة إليه.

يقول الوالي إسلم ولد عبد القادر إنه، خلال محطات توليه منصب الوالي في مختلف الولايات، لم يسجن أي شخص أو يمارس ظلمًا على أحد، بل كان يحرص على تطبيق العدالة والقوانين.

تزوير الانتخابات

وكان ولد عبد القادر من الولاة الذين يقدمون يوميا، خلال الحملة الانتخابية لأول انتخابات رئاسية تُجرى في البلاد سنة 1992، تقريرا إلى وزارة الداخلية يتضمن الاستطلاعات والمعلومات الاستخبارية، التي كانت تشير إلى تقدم المرشح أحمد ولد داداه على الرئيس معاوية في تلك الانتخابات.

قال الوالي إنه، في خضم الحملة، جاءه عقيدان تربطه بهما علاقة اجتماعية، واقترحا عليه تعيينه وزيرًا، مؤكدين أنهم سيجرون انقلابًا عسكريًا إذا نجح أحمد ولد داداه في الانتخابات، مشددين على أنهم لن يقبلوا بوصوله إلى السلطة.

لم يتجاوب مع طلبهما، إلا أنه، وبحكم المعلومات المتوفرة لديه، يرى أن أحمد ولد داداه كان فائزا في تلك الانتخابات الرئاسية، غير أن أيادي خفية في وزارة الداخلية غيرت النتائج.

 مواجهة اللوبيات

دخل إسلم الحكومة في نوفمبر عام 2001 عن حزب تجمع من أجل الديمقراطية والوحدة برئاسة أحمد سيدي باب، وعين وزيرًا للتجارة، وهي وزارة لم تكن آنذاك تملك صلاحيات واسعة.

وقال إنه عمل، خلال فترة توليه الوزارة، على صياغة قوانين ومراسيم عدة، من بينها إنشاء المكتب الوطني للسياحة، وغرفة للصناعة التقليدية، إضافة إلى تحديث الغرفة التجارية والصناعية.

واصطدم بالحزب الجمهوري الحاكم خلال فترة توليه الوزارة، إلا أنه كان يستند إلى تعهد أخذه من الرئيس، مفاده أنه إذا تعرض لأي مضايقة يمكنه التواصل معه لتذليل العقبات أمامه.

وفي عام 2003 عُيّن وزيرًا للصحة، فاستهل عمله بخطة طارئة لاحتواء الكوليرا في مقاطعة آمرج بالحوض الشرقي، قبل أن ينتشر في عموم التراب الوطني، وقد نجح في احتوائه، وفق قوله.

وتفاجأ وزير الصحة بانتشار الأدوية المزوّرة في البلاد، بعدما اشتكت له سيدة من أعراض ناتجة عن دواء كانت تستخدمه، فاستشار الرئيس معاوية لبدء حملة لتطهير الصيدليات من هذه الأدوية.

قال ولد عبد القادر إن أكثر ما فاجأه كان عندما كان يتحدث مع نظيره السنغالي خلال زيارة إلى داكار، فسأله عن وضعيتهم مع الأدوية المزورة. فأجابه وزير الصحة السنغالي بأنهم كانوا يصادرونها ويضعونها في مخازن، قبل أن يهتدي إليها تجار موريتانيون ويأتوا لشرائها. وقد شكل ذلك صدمة له، فاعتبر محاربة هذه الشبكات أولوية له.

وأضاف الوزير السابق أنه تعرض لضغوط اجتماعية من بعض النافذين للتراجع عن محاربة الأدوية المزورة، إلا أنه رفض الخضوع لها.

ولا يربط الوزير إقالته باصطدامه بلوبي الأدوية المزورة، وإنما ببعض الأطباء الذين أثاروا عليه عندما كان يخطط للفصل بين قطاعي الصحة العمومي والخصوصي، من خلال حظر عمل الطبيب في المستشفيات العمومية والخاصة في آن واحد، لما في ذلك من تضارب للمصالح، وفق تعبيره.

وتوقع الوزير السابق حدوث انقلاب على الرئيس معاوية، وحاول الاتصال به لإبلاغه بذلك، إلا أنه لم يتمكن من ذلك. وكان يرى أن المحاولة الانقلابية عام 2003، التي نفذها “فرسان التغيير”، هزّت أركان النظام، وأن سقوطه بات مسألة وقت.

وقد تحققت توقعات ولد عبد القادر عام 2005، عندما انقلبت مجموعة من الضباط عليه وشكلوا مرحلة انتقالية قادها الرئيس أعلي ولد محمد فال لمدة سنتين، لم يكن الوزير السابق حاضرًا فيها.

في ضيافة السجن

ابتعد بعدها عن الأنظار حتى الانقلاب على الرئيس الأسبق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله عام 2008، حيث وقف ضد الانقلاب وهاجم الجنرال محمد ولد عبد العزيز، قائد الانقلاب، ليُوقَف ويودَع في السجن.

قضى أربعة أشهر في السجن، عاش خلالها ظروفا صعبة، إذ وضع في زنزانة مع “مجرمين”، وكان يضطر إلى تقديم رشوة للسجّانين من أجل نقله إلى زنزانة أخرى أفضل قليلًا لينام فيها.

أُطلق سراحه لاحقًا، والتقى محمد ولد عبد العزيز في لقاء استمر أربع ساعات. وقال إسلم إن الرئيس السابق اعترف، خلال اللقاء، بما قاله هو سابقًا من أن كتيبة الحرس الرئاسي تضم عناصر أجنبية وتعمل كميليشيات.

وأضاف الوزير السابق أن ولد عبد العزيز ألقى اللوم على معاوية وقائد الأركان الأسبق مولاي ولد بوخريص في تدهور وضع الجيش وتدميره، متهمًا ولد بوخريص باختلاس أموال الجيش.

ولم يقتنع ولد عبد القادر، خلال اللقاء، برؤية ولد عبد العزيز للحكم رغم الإغراءات التي قدمها له، فقرر الانخراط في صفوف المعارضة في تلك الفترة، وكانت تلك أول ممارسة له للنضال المعارض منذ نشاطه في صفوف حركة الكادحين قبل 46 سنة.

ومضى الوقت في استوديو بودكاست “مبتدأ”، فقد امتد الحديث مع الإداري لأكثر من ثلاث ساعات عن مسار عمله السياسي والحكومي، عاكسًا جانبًا من تاريخ موريتانيا المعاصر، كان شاهدًا فيه على التقلبات السياسية في البلد والصراع على السلطة الذي فُتح بابه منذ عام 1978.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق