يعرض رواق سلمى فرياني بضاحية تونس العاصمة إلى غاية 22 نونبر المقبل لوحات ومجسمات للفنان مبارك بوحشيشي تحت عنوان “البذور السوداء” ، في إحالة غير مواربة مرة أخرى على التيمة المركزية التي تشغل التشكيلي الذي رأى النور في منطقة أقا بالمغرب.
يحتل معرض “البذور السوداء” الفضاء الأول في الرواق ،كما أن أعمال الفنان، الذي يعمل ويقيم بتحناوت، هي أول ما يصادف زائر الموقع الالكتروني للرواق الذي تحتضن فضاءاته أكثر من معرض بشكل متزامن.
في مستهل تقديمهما للمعرض ، يقول عمر برادة الكاتب المهتم بالترجمة والتواصل بين الأجيال والذي أشرف على عدة معارض فنية ،وبية العثماني وهي أيضا مشرفة فنية تهتم بالفن الافريقي الحديث، إن “البذور السوداء” أعمال لمبارك بوحشيشي تعكس الرابط بين السود والحركية( الهجرة خصوصا) من خلال استعادة قصص وحكايات بعضها جرى في سياق عمليات “استعباد” عبر الصحراء الكبرى وعبر الأطلسي، وأخرى مازالت تجري في سياق الهجرات الأفرومتوسطية.
لم يغادر الفنان التشكيلي المغربي إذن، في هذا المعرض، مربعه المرجعي المفضل ، الذي تحدث عنه في حواراته بسخاء وبنفس نضالي أحيانا، والذي يمكن تلخيصه، في كون اللون الأسود يمثل بفعل أشكال مختلفة من الهيمنة، محددا سلبيا للموقع الاجتماعي وللموقع في السردية التاريخية السائدة في منطقة جنوب المتوسط.
لم ينقطع الجدل حول ما إذا كان على الفنان التشكيلي أن يفسر ويوضح ما يحركه عند انجاز عمل فني، وأيضا حول النقد، أو ما يدخل في حكمه، ودوره في توجيه تلقي العمل الفني الذي يتمسك البعض بكونه عملية “حميمية” لا تحتمل طرفا ثالثا.
ولن يحسم هذا الجدل، بالتأكيد ولحسن الحظ ، ليستمر معه تعدد وتنوع أنماط تلقي الأعمال الفنية، غير أن زيارة معرض “البذور السوداء” صباح أول أيام الأسبوع وبعد أن تلاشى صخب الافتتاح منذ فترة، وفي رواق بعيد عن صخب المدينة، هذه الزيارة، تتيح فرصة ل”الانفراد” بأعمال مبارك بوحشيشي و لانتزاع حق حصري في “تأويلها” أو في “الشعور” بها .
إن أول ما يثير الانتباه في “البذور السوداء “، ذلك الإحساس بالبساطة الذي تبعث به مثلا رسومات سواء على مستطيلات ورقية ذات لون أصفر ذهبي لا تحدها إطارات أو على سلسلة مربعات حجرية صغيرة .
البساطة الهادئة نفسها يلمسها المتلقي وهو يقف أمام مجسمات بدون زوايا حادة، بعضها عن بذور أومن وعن أغصان، وتركيبات وأدوات تستعيد جميعها بشكل أو بآخر حركية دورة الحياة التي تبدأ ببذر البذور وقد تنتهي بنثر النباتات المحتضرة لبذورها.
يستوقف الناظر لهذه التركيبات أو المجسمات كونها تعرض أحيانا كثنائيات أو أكثر ، أي أن نفس الشكل يتكرر بلون مختلف (أو بمادة مختلفة أيضا) كما هو حال قطعتين تحيلان ( دون تجسيد كامل) على قوام امرأتين تعرضان كعمل واحد نصفه أبيض ونصفه الآخر أسود، لينبعث السؤال حول قيمة اللون أو لا قيمته، في تحديد موقع وطبيعة الأشياء والأحياء.
و فقط من خلال قراءة نص التقديم المشترك للمعرض ، سيعرف الزائر أن كل عمل في فضاء العرض أثر يحيل على حركية شعوب، طوعية كانت أو إجبارية، وأيضا على تنقل فنان يبحث عن شواهد عن هذه الحركية و عن هذا الأثر أو ما تبقى منه في مجتمعات اليوم.
وإلى جانب شعور بالبساطة أو ربما بسببه، تبدو الألوان المتعددة في معرض ” البذور السوداء ” وهي تتجاور بهدوء يساعد على الانتقال السلس من تأمل عمل إلى تفحص آخر ، وكأن غياب الوجوه والأجساد جعل الألوان، كل الألوان، أقل أنانية.
تؤكد سلمى فرياني، وهي صاحبة فضاء للعرض بلندن أيضا ، وفق وسائل الإعلام المحلية، أن من أهداف رواقها وضع تونس على خريطة الفن العالمية، وقد تكون استضافة ابداعات مبارك بوحشيشي نافذة أخرى على هذه الخريطة، فأعمال الفنان المغربي تعرض في بعض من أشهر الفضاءات عبر العالم وتشكل جزء من مجموعات متاحف ومؤسسات مرموقة وطنيا ودوليا.
