المغرب نيوز

إنتاج وافر من التمور المغربية وصل إلى 160 ألف طن.. “المجهول المغربي” الأكثر طلبا في مقابل تمور مستورة من الجزائر وتونس والإمارات

إنتاج وافر من التمور المغربية وصل إلى 160 ألف طن.. “المجهول المغربي” الأكثر طلبا في مقابل تمور مستورة من الجزائر وتونس والإمارات


تتزاحم الأقدام في سوق باب الأحد بقلب العاصمة الرباط مع اقتراب أذان المغرب، وتعلو أصوات الباعة وهم يعرضون بضاعتهم التي تتكدس في أكياس شفافة وصناديق كرتونية تحمل أسماء بلدان بعيدة وقريبة.

هنا كما في كل رمضان، تتحول التمور إلى نجمة الأسواق بلا منازع، ويصبح الاختيار بينها طقسا يوميا يعكس ميزانية الأسر وذوقها، وأحيانا موقفها من “المنتج الوطني” بين عراجين المجهول المغربي اللامع، وعلب العجوة السعودية الفاخرة، وأكياس التمور العراقية والمصرية ذات “السعر الأول”، وتمور دقلة الجزائرية تتجسد معركة صامتة عنوانها الجودة، الثمن، والانتماء.

في أحد الممرات الضيقة للسوق التقت “الصحيفة” عبد الرحيم، وهو بائع خمسيني يزاول المهنة منذ أكثر من عقدين، يراقب الزبائن وهم يقلبون الحبات بين أصابعهم. يقول وهو يشير إلى صفوف متراصة من الأصناف” عندنا تمر جزائري، إماراتي، أردني، تونسي، مصري، وحتى العراقي موجود.. والزبون اليوم يقارن بين أصابعه قبل أن يشتري”.

يشرح عبد الرحيم أن العرض الأجنبي أصبح جزءا مألوفا من مشهد رمضان، وأن الفوارق في الأسعار تعكس بلد المنشأ وطريقة العرض وجودة الحبة وحجمها، بل وحتى ما إذا كانت معروضة مع العرجون أو بدونه.

ويضيف البائع عبد الرحيم بالقول: “التمر الجزائري والتونسي الأرخص، ثم العراقي فالمصري، وبعدهم السعودي والإماراتي والأردني تقريبا في نفس المستوى، لكل واحد زبائنه ويوجد أيضا من ألف الجزائري نظرا لثمنه”.

في زاوية أخرى من السوق، يعرض شاب في الثلاثينيات صناديق صغيرة كتب عليها “Ajwa Premium” يسأله أحد الزبائن عن السعر، فيجيب دون تردد: “بين 180 و220 درهما للكيلوغرام حسب الجودة والتغليف”.

 يوضح الشاب في حديثه لـ “الصحيفة” أن العجوة السعودية تُعد من أغلى الأنواع، وأن بعض الزبائن يقتنونها “للمكانة أو للهدية” خصوصا أن رمضان هو شهر صلة الرحم والتهادي، أما التمور الأردنية فيقول إنها تعتمد أساسا على صنف المجهول، الذي ينافس مباشرة المجهول المغربي، غير أن أسعاره تبقى مرتفعة، وهنا الزبون الذي يعرف المجهول المغربي جيدا، يصعب أن يغيّر رأيه.

غير بعيد عنهم، تتكدس أكياس التمور العراقية والمصرية بأسعار تتراوح بين 25 و30 درهما للكيلوغرام، فيما تعرض تمور تونسية وليبية بين 35 و50 درهما، حسب الحجم والعلامة التجارية، أما التمور الإماراتية فتتحرك بين 60 و70 درهما، والجزائرية بين 40 و60 درهما، وفق ما يؤكده أكثر من بائع في باب الأحد.

أما الأصناف المحلية الكلاسيكية، فتتراوح غالبا بين 35 و80 درهما للكيلوغرام، بينما يبدأ المجهول المغربي من 60 درهما للأحجام الصغيرة، وقد يصل إلى 120 درهما، بل ويتجاوز 180 درهما للأحجام الممتازة الكبيرة “كل شيء حسب الجودة والمعيار” وفق البائعين الذين التقتهم “الصحيفة” وأشاروا إلى أن الأسعار قد تختلف من مدينة إلى أخرى ومن تاجر إلى آخر.

ورغم هذا الحضور اللافت للواردات، يصر معظم الباعة على أن “صُنع في الواحات” لا يزال صامدا، إذ حسب قول مصطفى، وهو بائع معروف في باب الأحد لـ “الصحيفة” إن “أغلب المغاربة يسألون أولا عن التمر المحلي وعندهم ثقة فيه ويحبون تشجيع المنتج الوطني”. ويضيف أن المجهول المغربي يبقى المرجع، لما يتميز به من حجم كبير وقوام طري ونكهة مميزة “حتى لو كان أغلى، يبقى عنده زبائنه،” مشيرا إلى أن الكثيرين يعتبرونه الأفضل من حيث الجودة.

هذا الإقبال على التمر المغربي يتزامن هذا العام مع مؤشرات إيجابية في الإنتاج الوطني، حيث يُقدَّر المحصول بنحو 160 ألف طن، مدعوما بتحسن الظروف المناخية وارتفاع المردودية في عدد من الواحات.

مهنيون في السوق تحدثوا لـ”الصحيفة” عن موسم يعتبرونه من بين المواسم “المريحة نسبيا” من حيث الجودة، مؤكدين أن صنف المجهول يواصل ترسيخ مكانته كواجهة للعرض المغربي في الفئة الممتازة.

ويقول أحد كبار تجار الجملة في باب الأحد إن “الحبة هذه السنة متجانسة، الحجم جيد، ونسبة الرطوبة مضبوطة” مضيفا أن الإقبال على المجهول المغربي “لا يرتبط فقط باسمه، بل بثقة تراكمت عبر سنوات في الذوق والقوام والقدرة على التحمل في التخزين” ويؤكد تاجر آخر أن الزبون “حين يرى المجهول المغربي، يعرف ما سيأخذه” في إشارة إلى ثبات المعايير مقارنة ببعض الأصناف المستوردة التي قد تختلف جودتها من شحنة إلى أخرى.

غير أن هؤلاء المهنيين يشددون في المقابل على أن وفرة المحصول، المقدرة بنحو 160 ألف طن هذا الموسم، لا تعني تلقائيا تراجعا في الأسعار على رفوف الأسواق، وهنا أحد التجار يوضح لـ “الصحيفة” أن “المشكلة ليست في الكمية فقط، بل في كلفة إخراج المنتوج إلى السوق”، مفصلا أن مصاريف اليد العاملة في الجني والفرز ارتفعت، وأن مواد التوضيب والتغليف شهدت بدورها زيادات ملحوظة “الصندوق، البلاستيك، النقل المبرد..كل شيء تضاعف تقريبا مقارنة بما كان قبل سنوات”، يقول المتحدث قبل أن يضيف أن المسافة بين الواحات والأسواق الحضرية الكبرى مثل الرباط والدار البيضاء “ليست قصيرة، وتكلفة النقل تؤثر مباشرة في السعر”.

تاجر آخر يلفت الانتباه إلى أن التوزيع بدوره يضيف طبقة جديدة من التكاليف، إذ تمر التمور عبر حلقات متعددة قبل أن تصل إلى المستهلك النهائي، قائلا: “عندك المنتج، ثم الوسيط، ثم تاجر الجملة، ثم تاجر التقسيط كل حلقة لها هامشها” فيما اعتبر أن الحديث عن انخفاض الأسعار بمجرد الإعلان عن محصول جيد “يبقى نظريا إذا لم تُضبط باقي عناصر السلسلة”، ويؤكد أن الحفاظ على جودة المجهول في الفئة الممتازة يتطلب شروط تخزين وعرض خاصة، ما يرفع المصاريف أكثر “إذا أردت أن تبيع منتوجا ممتازا، يجب أن تتحمل كلفة ممتازة”.

وبينما يرفع أحدهم كتفيه مرددا “حتى لو كان المحصول جيدا، المصاريف كثيرة” يشير آخر إلى أن التاجر نفسه يتحمل مخاطر السوق وتقلبات الطلب خاصة في فترة قصيرة ومكثفة مثل رمضان، “إذا انخفض الإقبال فجأة، أو دخلت كميات كبيرة من المستورد في نفس الوقت يتأثر الهامش مباشرة” لذلك، يصف المهنيون معادلة هذا الموسم بأنها “توازن دقيق” بين تثمين المنتوج الوطني والحفاظ على قدرة الأسر الشرائية في سوق يتسم بتنوع العرض، لكنه يظل خاضعا لاعتبارات بنيوية تجعل السعر النهائي انعكاسا لسلسلة طويلة من التكاليف، لا مجرد رقم مرتبط بحجم المحصول.

في الخلفية، تلعب السلطات دورا تنظيميا عبر نظام لتأطير الواردات، إذ تُمنح التراخيص وفق مستوى المحصول الوطني، ويتم تعليقها مؤقتا خلال فترة الجني لتفادي تشبع السوق في وقت يسوق فيه المنتجون المحليون مخزونهم، وبالنسبة إلى التجار في سوق “باب الأحد”، هذا التوازن ضروري حتى لا يختل السوق بين وفرة العرض وحماية الإنتاج الوطني.

ووسط هذا المشهد، يبقى المستهلك هو الحكم الأخير “ما كاينش زبون واحد، كاينين زبناء بزاف” يقول التاجر عبد الرحيم لـ “الصحيفة”: “كاين اللي باغي الجودة وكيخلص، وكاين اللي باغي 20 أو 30 أو 40 درهم”.

 في رمضان، التمر مادة أساسية على مائدة الإفطار المغربية لكن القرار يظل رهين المحفظة فكثيرون يشترون “ما يناسبهم” سواء كان محليا أو مستوردا، غير أن تفضيل المجهول المغربي يظل واضحا في أحاديث الزبائن الذين يرددون: “معروف وجودته أفضل”.

ولا يقتصر حضور التمر على كونه سلعة موسمية، بل يحمل بعدا دينيا وغذائيا متجذرا، فالإفطار على التمر سنة نبوية إذ كان النبي محمد ﷺ يفطر على تمر وماء، وهو سلوك يحرص ملايين المسلمين على اتباعه.

وإلى جانب رمزيته الدينية، يتميز التمر بقيمته الغذائية فهو غني بالسكريات الطبيعية التي توفر طاقة سريعة بعد ساعات الصيام الطويلة دون أن تثقل المعدة، كما يحتوي على ألياف ومعادن مثل البوتاسيوم والمغنيسيوم ما يساعد على تقليل التعب وتسهيل الهضم. وينصح مختصون بتناول ثلاث تمرات عند الإفطار مع كوب ماء، مع الاعتدال نظرا لارتفاع محتواه من السكر.

ومع اقتراب موعد الأذان، تتسارع وتيرة الشراء في باب الأحد أكياس صغيرة تُحمل بعناية وأخرى كبيرة تُرفع على الأكتاف بين 25 درهما و220 درهما للكيلوغرام، يتوزع السوق على طيف واسع من الخيارات لكن حبة التمر تظل في النهاية أكثر من مجرد منتج غذائي إنها تقليد، وذاكرة، ورهان اقتصادي يتجدد كل رمضان، بين تمور جاءت من وراء البحار ومجهول مغربي لا يزال يتربع على عرش المائدة.



Source link

Exit mobile version