خلال جلسة عقدها مجلس الشيوخ الأمريكي تحت عنوان “مكافحة الإرهاب في شمال إفريقيا.. الفرص والتحديات”، خصص جانب من النقاش لتداعيات التهديدات الأمنية المتنامية في المنطقة وعلاقتها بالفاعلين غير الدوليين، وسط اهتمام خاص بمخاطر الجماعات المسلحة التي تنشط عبر الحدود وتستفيد من النفوذ الإيراني في المنطقة.
وفي هذا السياق، وجّه السيناتور الجمهوري تيد كروز سلسلة من الأسئلة إلى روبرت بالادينو، رئيس مكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأمريكية، تمحورت حول طبيعة الدور الذي تلعبه جبهة البوليساريو، ومدى ارتباطها بتهديد أمن واستقرار شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، إضافة إلى ما وصفه بتصاعد التدخل الإيراني ومحاولات طهران توسيع نفوذها عبر وكلاء محليين.
وأثار السيناتور كروز، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تكساس، مخاوفه بشأن ما وصفه بـ”النشاط الإرهابي في منطقة الساحل”، مشيرًا بشكل ضمني إلى جبهة البوليساريو ودورها في المنطقة، مؤكداً أن تحركات إيران في شمال وغرب إفريقيا تسعى لتحويل البوليساريو إلى قوة وكيلة تشبه الحوثيين في اليمن، قادرة على زعزعة استقرار المنطقة وممارسة الضغط على شركاء الولايات المتحدة وقتما شاءت طهران.
وذكر السيناتور أن جبهة البوليساريو تتعاون مع جماعات إرهابية إيرانية، وتستفيد من طائرات مسيرة من الحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى نقل الأسلحة والموارد إلى مختلف الجماعات الجهادية، مضيفًا أنه يعتقد بوجوب تصنيفها كجماعة إرهابية، وقد قام بصياغة مشروع قانون لهذا الغرض إذا لم يتغير سلوكها.
ورغم وضوح موقف كروز، جاء رد مسؤولي الإدارة الأمريكية أكثر تحفظًا، إذ شدد المسؤولون على أن السياسة الأمريكية الحالية تسعى للتوصل إلى حل دائم للنزاع في الصحراء، مع مواصلة التعامل مع جميع الأطراف لتحقيق السلام والاستقرار ومنع أي نشاط إرهابي محتمل.
وأوضح المسؤولون أن أي إجراءات تتعلق بتصنيف جماعات إرهابية ستتم وفق القانون والأدلة المتاحة، في إطار تقييم مستمر للتهديدات للأمن القومي الأمريكي.
ووصف كروز ردود المسؤولين بأنها “مليئة بالصوت والغضب لكنها لا تعني شيئًا”، مشيرًا إلى ما اعتبره ثغرة خطيرة في استراتيجية مكافحة الإرهاب الأمريكية، بسبب عدم الإشارة المباشرة إلى البوليساريو رغم ارتباطها بما وصفه بالتهديدات الإيرانية في المنطقة، لافتا إلى أن تعامل الإدارة مع هذا الملف يعكس حاجة ملحة إلى وضوح أكبر في التعاطي مع الجماعات التي تهدد الاستقرار الإقليمي والأمن الأمريكي.
وتعليقًا على التعاون مع الدول الإفريقية، شدد السيناتور على أن جهود الولايات المتحدة في المنطقة يجب أن تشمل رصد ومواجهة أي محاولات للهيمنة الإيرانية أو استخدام جماعات وكيلة لزعزعة الاستقرار، مؤكدًا أن ذلك يشكل جزءًا من الاستراتيجية الأوسع لضمان الأمن والسلام في شمال وغرب إفريقيا.
وفي هذا السياق، يرى عبد العالي سرحان، الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في تصريح لجريدة “مدار21″، أن تصريحات السيناتور تيد كروز تمثل خطوة إيجابية ومهمة في التعاطي الأمريكي مع الوضع في شمال وغرب إفريقيا، حيث سلط الضوء على التهديدات التي تمثلها الجماعات المسلحة، بما في ذلك الأنشطة الوكيلة لإيران.
وأوضح سرحان أن هذا الوعي المبكر يُعطي المغرب دعمًا غير مباشر في مساعيه لتعزيز الأمن الإقليمي، إذ إن تسليط الضوء الأمريكي على هذه المخاطر يعزز موقف الرباط كشريك استراتيجي لا غنى عنه لمواجهة أي نفوذ خارجي يهدد الاستقرار في المنطقة.
وأضاف سرحان أن ربط النشاط الإرهابي في الساحل بمحاولات إيران استخدام جماعات وكيلة مثل البوليساريو، يوفر إطارًا سياسيًا أمريكيًا يعترف ضمنيًا بأهمية الدور المغربي في استقرار المنطقة، معتبرا أن هذه الإشارة، حتى وإن كانت غير مباشرة، تمنح المغرب شرعية إضافية أمام الشركاء الدوليين، وتُبرز الحاجة لتعاون وثيق مع الرباط لضمان الأمن الإقليمي، ما يعكس تقديرًا واضحًا لمكانة المغرب كحليف أساسي في مكافحة الإرهاب والتطرف.
وأوضح الباحث أن خطاب كروز يظهر وعيًا استباقيًا بالمخاطر الإقليمية، ويضع إطارًا قانونيًا وسياسيًا للتعامل مع التهديدات قبل أن تتفاقم، مسجلا أن هذا النهج الاستباقي يصب في صالح المغرب، لأنه يُعزز قدرة الرباط على تقديم نموذج فعال لمكافحة النفوذ السلبي والتهديدات العابرة للحدود، ويجعل أي تعاون أمني أمريكي مع المغرب أكثر جدية وفاعلية، ويُبرز أن الولايات المتحدة تنظر إلى الرباط كشريك رئيسي في صياغة سياسات استقرار شمال إفريقيا.
وخلص سرحان إلى أنه من خلال التركيز على النشاطات الإرهابية للوكيل الإيراني، يساهم كروز في تعزيز موقف الرباط في النزاع الإقليمي حول الصحراء، مشيرا إلى أن هذه الخطوة تؤكد أن الإدارة الأمريكية، من خلال أعضاء مثل كروز، تدرك الأبعاد الأمنية والسياسية للتحديات الإقليمية، مما يمنح المغرب مزيدًا من المساحة لتعزيز موقفه الدولي والتأكيد على دوره كحارس للأمن والاستقرار في شمال وغرب إفريقيا.
