تكشف الأزمات الدولية المتلاحقة أن المغرب، بحكم كونه بلدا مستوردا للطاقة، يتأثر بشكل شبه فوري بأي اضطراب يصيب سلاسل التوريد العالمية، خاصة تلك المرتبطة بالمحروقات، حيث مع كل توتر جيوسياسي أو أزمة كبرى، ترتفع أسعار النفط في الأسواق الدولية، لتنعكس بسرعة على السوق الوطنية، سواء على مستوى أسعار الوقود أو كلفة النقل والإنتاج.
ويظهر هذا المعطى بشكل جلي في الأزمة الراهنة بمضيق هرمز، على خلفية التصعيد العسكري بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إذ يُعد هذا الممر البحري من أبرز الشرايين الحيوية لنقل النفط على الصعيد العالمي، ما تسبب في ارتفاع فوري للأسعار، وهو ما انعكس بشكل مباشر وسريع على الدول المستوردة للطاقة، من بينها المغرب، الذي يتأثر بشكل آني بأي اضطراب في إمدادات النفط العالمية.
الأمر نفسه تكرر خلال جائحة كورونا، حين أدت الاضطرابات في سلاسل الإمداد إلى تقلبات حادة في أسعار الطاقة، وكذلك خلال الحرب الروسية الأوكرانية، التي أعادت رسم خريطة تدفقات الغاز والنفط ورفعت الأسعار إلى مستويات قياسية، إذ في كل هذه الحالات، لم يكن تأثير الأزمة ينتظر طويلا ليصل إلى السوق المغربية، بل كان يظهر بسرعة عبر ارتفاع أسعار المحروقات، وما يترتب عنه من زيادات في كلفة المعيشة.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع محطة الغاز الطبيعي المسال بميناء الناظور “غرب المتوسط” كأحد أهم الرهانات الاستراتيجية التي يعول عليها المغرب لتقليص هذا التأثر السريع، فالمحطة التي تم الاعلان عن قرار إحداثها تقوم على وحدة عائمة لتخزين وإعادة تحويل الغاز، ستمكن من استيراد الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية بشكل مباشر، وتوفيره لمحطات الكهرباء والمناطق الصناعية عبر شبكة أنابيب مهيكلة.
المشروع في جوهره يقوم على إحداث وحدة عائمة (FSRU) قادرة على استقبال الغاز الطبيعي المسال وتحويله إلى حالته الغازية، ثم ضخه عبر شبكة أنابيب نحو محطات إنتاج الكهرباء والمناطق الصناعية، بتكلفة إجمالية تصل إلى مليار دولار، منها 273 مليون دولار للمحطة و681 مليون دولار للأنابيب، حيث ستتيح للمغرب الولوج المباشر إلى السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، بدل الاعتماد الحصري على الربط غير المباشر عبر البنيات التحتية الإسبانية.
كما ستمكن محطة الناظور للغاز الطبيعي المسال المغرب من تنويع مصادر التزود وعدم الارتهان لمنطقة جغرافية واحدة أو مسار إمداد محدد، حيث بدل أن يكون رهين تقلبات سوق النفط أو الإمدادات الإقليمية، يصبح بإمكانه التعاقد مع موردين متعددين على الصعيد الدولي، وفق شروط تفضيلية، سواء عبر عقود طويلة الأمد أو صفقات فورية حسب وضعية السوق.
إلى جانب ذلك، فالغاز الطبيعي، بحكم طبيعته الأقل تقلبا مقارنة بالنفط، يساهم في استقرار كلفة إنتاج الكهرباء، وهو ما يشكل عاملا حاسما في حماية القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، خاصة في القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، إذ من شأن ربط المحطة المستقبلية بمناطق صناعية مثل المحمدية والقنيطرة أن يخلق نوعا من “التحصين الطاقي” لهذه الأقطاب، عبر توفير مصدر طاقة مستقر وأقل كلفة على المدى المتوسط.
الرهان الآخر للمشروع يرتبط بتقليص الاعتماد على الفحم، الذي لا يزال يشكل جزءا مهما من المزيج الطاقي الوطني، وما يرافقه من كلفة بيئية ومالية، كون الانتقال نحو الغاز الطبيعي كوقود انتقالي سيسمح للمغرب بالموازنة بين متطلبات الأمن الطاقي والالتزامات المناخية، في أفق تحقيق أهداف إزالة الكربون بحلول سنة 2050.
وكان تقرير لمجلة “بلومبيرغ” الأمريكية المتخصصة في الاقتصاد قد كشف أن المغرب يهدف من خلال بناء هذه المحطة إلى أن يصبح لاعبا في واردات الغاز الطبيعي المسال، مع تخطيط الحكومة لإنفاق 3.5 مليارات دولار لرفع استهلاك الغاز من 1.2 مليار متر مكعب إلى 12 مليار متر مكعب بحلول سنة 2030.
كما أضاف التقرير أن المشاريع الجديدة ستساعد على تعويض فقدان الإمدادات الجزائرية سنة 2021 عقب خلاف دبلوماسي بين الرباط والجزائر، مشيرا إلى أن محطة الناظور سيتم ربطها بخط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي الذي كان يُستخدم سابقًا في نقل الغاز الجزائري نحو إسبانيا عبر المغرب.
وجدير بالذكر أن وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة كشفت، في أبريل 2024، أن المغرب سيشرع في إنجاز ثلاث محطات لتحويل الغاز الطبيعي المسال، في إطار الاستراتيجية الوطنية التي تهدف إلى تعزيز قطاع الطاقة بالمغرب وجغله أكثر قدرة على الاعتماد على الإمكانيات الوطنية بدل الاعتماد على البنية التحتية لبلدان أخرى، وعلى رأسها إسبانيا، قبل أن تعلن الوزارة ذاتها تعليق المناقصة الخاصة بمحطة غاز الناظور وخطوط الأنابيب المرتبطة بها دون توضيح الأسباب.
