الأزمات تكشف هشاشة المدرسة المغربية و“الصمود التربوي” ضرورة

adminمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
الأزمات تكشف هشاشة المدرسة المغربية و“الصمود التربوي” ضرورة


كشفت دراسة حديثة حول صمود المنظومة التربوية المغربية أن الأزمات المتعاقبة، من جائحة كوفيد-19 إلى زلزال الحوز والفيضانات والتوترات الاجتماعية، لم تُنشئ اختلالات جديدة بقدر ما كشفت هشاشات بنيوية عميقة في قدرة المدرسة على ضمان استمرارية التعلمات.

وأبرزت الدراسة الصادرة عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين، التي اطلعت عليها جريدة “مدار21″، أن التحدي لم يعد يقتصر على تدبير الطوارئ أو تعبئة الفاعلين بشكل ظرفي، بل أصبح يتطلب بناء نموذج مؤسساتي قائم على الاستباق والتخطيط الترابي والتعليم الهجين، بما يضمن التوفيق بين حقوق المتعلمين وحقوق الأساتذة ويحافظ على جودة التعليم في سياقات الأزمات.

هشاشة بنيوية

وأكدت الدراسة أن “الأزمات لا تخلق الهشاشات، بل تكشفها”، مفيدة أن جائحة كوفيد-19 أبرز تفاوتات في إمكانية الوصول للتكنولوجيا الرقمية وضعف نظام التعليم عن بعد واعتماد المنظومة بشكل شبه حصري على الحضور الفعلي، بينما كشف زلزال الحوز عن هشاشة البنيات التحتية المدرسية وغياب ذاكرة مؤسساتية موثقة مُوثَّقة تمكِّن من الاستفادة من دروس الأزمات السابقة.

وتابعت أن التوترات الاجتماعية الممتدة أبرزت هشاشة الاستمرارية البيداغوجية أمام الانقطاعات المطولة، ومحدودية تدبير آليات الدعم المدرسي، وتعميق الفوارق والتفاوتات المدرسية في سياقات التوترات الاجتماعية.

وفي السياق نفسه، سلطت الفيضانات الأخيرة الضوء عملياً على تحديات المنظومة في استمرارية التعليم، حيث أدت إلى انقطاعات طويلة في بعض المناطق، وظهور تفاوتات بين الجهات في القدرة على الاستجابة واعتماد التعليم عن بعد، إضافة إلى صعوبات لوجستية في إعادة إسكان التلاميذ وتنظيم النقل المدرسي.

وحول ضرورة التوفيق بين حقوق المتعلمين وحقوق الأساتذة في فترة الإضراب، أكدت الدراسة على أنه  في أوقات الأزمات الاجتماعية، “لا يكمن التحدي في تقييد الحقوق، بل في توازن الحقوق وتوافقها بينها بما يحمي المصلحة الفضلى للطفل ويحافظ على الكرامة المهنية للأساتذة”، مبرزة أن الصمود التربوي يقتضي “حوار اجتماعي منظم، و آليات للتدبير المسبق، ومسؤولية مشتركة تضمن استمرارية التعلمات، لاسيما بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة”.

في هذا الصدد، شددت الدراسة على أن “الاستمرارية التعليمية لم تعد ممكنة بالاعتماد فقط على تعبئة الفاعلين، بل أصبحت تتطلب تنظيمًا مؤسساتيًا مسبقًا واستعدادًا فعّالًا لمواجهة الأزمات”.

الحاجة للصمود التربوي

ولفتت إلى أن الأحداث الأخيرة تجسد مدى الضرورة الملحة لإدماج الصمود بشكل مستدام في المنظومة التربوية، مفيدة أن ذلك يفترض وجود خطط جهوية مسبقة لتدبير الأزمات، وإرساء منظومة تعليمية هجينة مستفرة ومنصفة، وتنسيق منظم بين القطاعات، والترصيد من خلال تثمين التجارب المكتسبة من الأزمات بصورة منتظمة.

وأوضحت الدراسة أن الصمود التربوي “ليس خاصية فردية أو قطاعية، بل هو سيرورة جماعية وهيكلية وتطورية، تعبّر عن تفاعل جميع مكونات المنظومة التربوية وتعبئها نحو مواجهة التحديات”.

تعتمد الدراسة مقاربة نسقية للصمود متمفصلة على ثلاثة مستويات، تتعلق بالقدرة على الاستيعاب  التي تمثل الصمود الفوري من خلال ضمان الحد الأدنى من الاستمرارية التعليمية أثناء الأزمة، والقدرة على التكيف التي تمثل الصمود التكيفي من خلال تعديل بعض الوسائل والمحتويات وأنماط التعليم حسب الظروف دون المساس بالعناصر البنيوية، والقدرة على التحول التي تمثل الصمود التحويلي من خلال إدماج الدروس المستخلصة من الأزمات لتعزيز المنظومة التعليمية بشكل مستدام عبر إحداث تحول عميق ونسقي في عناصرها البنيوية.

التلميذ والتزام الأساتذة

ووضعت الدراسة المتعلم في صلب التحليل، انطلاقًا من أن الأزمات تمسّه في المقام الأول، مشددة على أنه “لا يمكن تصور صمود تربوي فعلي دون مأسسة الإنصات إلى التلاميذ وضمان مشاركتهم بالتعبير عن احتياجاتهم والادلاء بآرائهم في القرارات التي تهمهم”.

من جانب آخر، أوضحت أن الأزمات كشف عن التزام الأساتذة المتميز، ووجود تضامن مجتمعي، ومبادرات جهوية مبتكرة، والقدرة على الاستجابة السريعة حسب طبيعة الازمة، مستحضرة بالمقابل وجود هشاشة بنيوية.

وتتجلى الهشاشة، بحسب المصدر نفسه، في محدودية الحكامة الجهوية، ومحدودية التخطيط الميكروي لاسيما التخطيط الترابي الدقيق، و استمرار الفجوة الرقمية، وغياب الترصيد المنتظم لتجارب الأزمات، و عدم استكمال مأسسة التعليم الهجين؛

وأكدت الدراسة على أن هذه النقط لا تُعبر عن “هشاشات ظرفية أو عابرة، بل تكشف عن اعتماد مفرط على التدبير المركزي، وضعف في توقع المخاطر على المستوى الترابي، ونقصً في الترصيد المنتظم للتجارب السابقة”، مفيدة أن الأزمات تكشف عن “فجوة واضحة بين طموحات الإصلاح والقدرة الفعلية على تأمين التعلمات وضمان استمراريتها وجودتها في سياقات مضطربة”.

التحول التربوي

وشددت على أن الأزمات تُبيّن أن مسار التحول ينبغي أن يدمج بشكل صريح” استباق المخاطر، و منهاجا قابلا للتكيف، ومقاربة ترابية واضحة، واستمرارية رقمية”، مؤكدة على أن الصمود التربوي لا يقتصر على مجرد «تدبير» الأزمات، بل يقتضي إحداث تحول بنيوي في المنظومة التربوية بما يجعلها قادرة على  الاستباق، والامتصاص، والتكيّف، وخصوصا تقوية قدرة المنظومة على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وأكدت على أنه “لا يمكن اعتبار الصمود التربوي أمرا اختياريا، بل شرطا وضرورة حتمية لضمان الاستقرار المجتمعي، وتحقيق العدالة المجالية، وتعزيز المصداقية المؤسساتية”، مشيرة إلى أن “كل انقطاع مدرسي مطوّل يُضعف المسارات الفردية، أحيانًا بشكل غير مرئي، لكن بأثر ممتد في الزمن”، مفيدة أن إقرار الصمود كمبدأ هيكلي هو “إقرار صريح باختيار مدرسة تحمي، وتعلّم، وتُمكن من التحول، بما في ذلك فترات الأزمات وسياقات تتسم بعدم اليقين”.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق