الجائحة والزلزال والفيضانات والإضرابات أغلقت المدارس، وهجّرت آلاف التلاميذ، وكشفت عجز المنظومة عن ضمان حق التعلم – الصحيفة

adminمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
الجائحة والزلزال والفيضانات والإضرابات أغلقت المدارس، وهجّرت آلاف التلاميذ، وكشفت عجز المنظومة عن ضمان حق التعلم – الصحيفة


كشف تقرير رسمي صادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن جائحة كوفيد-19 وزلزال الحوز والإضرابات التعليمية فضلا عن الفيضانات الأخيرة التي أدت إلى إغلاق مدارس ونقل آلاف التلاميذ عرّت هشاشة بنيوية داخل المنظومة التربوية المغربية.

كما أظهرت محدودية قدرتها على ضمان استمرارية التعلم، وجودته في أوقات الأزمات في ظل فجوة رقمية واسعة وضعف التخطيط الترابي وهشاشة بعض البنيات المدرسية، وخسائر تعليمية متراكمة تهدد المسارات الدراسية خصوصا لدى التلاميذ في المناطق الهشة، محذرا من أن استمرار الانقطاعات دون استدراك مؤسساتي قد يؤدي إلى فاقد تعليمي دائم ويقوض مبدأ الإنصاف والحق في التعليم في سياق يتسم بتزايد الكوارث الطبيعية والتوترات الاجتماعية.

وأبرز التقرير الصادر عن اللجنة الدائمة للمناهج والبرامج والتكوينات والوسائط التعليمية لدى المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الذي تتوفر عليه “الصحيفة” أن الأزمات المتعاقبة التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، من جائحة كوفيد-19 إلى زلزال الحوز، مرورا بالتوترات الاجتماعية الممتدة داخل قطاع التعليم، وصولا إلى الفيضانات الأخيرة التي أدت إلى إغلاق مؤسسات تعليمية ونقل آلاف التلاميذ من مدارسهم، لم تضع فقط المنظومة التربوية أمام ضغط ظرفي، بل كشفت عن هشاشات بنيوية متجذرة داخل النظام التعليمي، وأعادت طرح سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة المدرسة المغربية على ضمان الحق في تعليم جيد ومنصف واستمرارية التعلمات في سياقات تتسم بتزايد وتيرة الأزمات وعدم اليقين.

التقرير، الذي يحمل عنوان “صمود المنظومة التربوية المغربية: ضمان الحق في الاستمرارية البيداغوجية وجودة التعلمات في سياق الأزمات” والذي جرى تقديمه في ندوة صحافية صبيحة اليوم الثلاثاء يندرج ضمن مقاربة نسقية وتشاركية اعتمدت على بحث ميداني شمل فاعلين تربويين متعددين مع تثمين صوت المتعلمين ووضعهم في قلب التحليل باعتبارهم أصحاب الحق الأساسي في التعليم، وسعى إلى تحليل قدرة المنظومة التعليمية على الاستجابة للأزمات الأخيرة، وتحديد مكامن القوة والقصور، ورصد آثار هذه الأزمات على جودة التعلمات والإنصاف التربوي، مع تقديم توصيات استراتيجية تروم تعزيز قدرة المدرسة المغربية على الاستباق والتكيف والتحول بشكل مستدام.

وشدد التقرير على أن الأزمات لا تخلق الهشاشة بل تكشفها، وأن جائحة كوفيد-19 شكلت أول اختبار شامل لقدرة المنظومة التربوية على ضمان الاستمرارية التعليمية خارج الفضاء المدرسي التقليدي، حيث أبرزت تفاوتات عميقة في إمكانية الولوج إلى التكنولوجيا الرقمية بين التلاميذ، وكشفت ضعف نظام التعليم عن بعد وعدم جاهزية المنظومة لاعتماد التعليم الرقمي كبديل فعّال ومنصف إضافة إلى اعتماد شبه كامل على التعليم الحضوري باعتباره النمط الوحيد للتعلم.

كل ذلك، أدى إلى تعطل الدراسة بالنسبة لفئات واسعة من التلاميذ الذين لم تتوفر لهم الوسائل الرقمية أو الدعم اللازم كما أبرزت الجائحة أن الفجوة الرقمية لا تقتصر على نقص التجهيزات، بل تمتد إلى ضعف الكفايات الرقمية لدى الفاعلين التربويين، وغياب تصور مؤسساتي متكامل لتنظيم التعليم الهجين وضمان استمرارية التعلمات في حالات الطوارئ.

أما زلزال الحوز، فقد كشف بدوره عن هشاشة البنيات التحتية المدرسية في بعض المناطق، وعدم قدرة عدد من المؤسسات التعليمية على الصمود أمام الكوارث الطبيعية، إضافة إلى محدودية الحكامة الترابية في تدبير الطوارئ، وغياب أنظمة مؤسساتية جاهزة لضمان استمرارية التعلم في ظل الكوارث، فضلا عن غياب ذاكرة مؤسساتية موثقة تسمح بتحويل تجارب الأزمات السابقة إلى معرفة عملية يمكن الاستفادة منها لتحسين الاستجابة المستقبلية.

 وأبرزت هذه الأزمة أن الاستجابة التعليمية غالبا ما تعتمد على المبادرات الفردية والتضامن المجتمعي بدل الاعتماد على أنظمة مؤسساتية مهيكلة، ما يؤدي إلى تفاوت كبير في سرعة وفعالية التدخل بين مختلف الجهات.

التوترات الاجتماعية الممتدة داخل قطاع التعليم، بما في ذلك الإضرابات التي أدت إلى انقطاعات طويلة في الدراسة، كشفت بدورها عن هشاشة قدرة المنظومة التربوية على ضمان استمرارية التعلمات في ظل الاضطرابات الاجتماعية، وأظهرت محدودية آليات الدعم المدرسي والتربوي الموجه لتعويض الفاقد التعليمي، كما ساهمت في تعميق الفوارق التعليمية بين التلاميذ، خصوصا بين الفئات الاجتماعية والمجالية المختلفة.

ويؤكد التقرير أن التحدي في هذه الحالات لا يتمثل في تقييد الحقوق، بل في إيجاد توازن مؤسساتي يضمن حق التلاميذ في التعليم وحق الأساتذة في ممارسة حقوقهم المهنية والنقابية، من خلال آليات للحوار الاجتماعي والتدبير المسبق للأزمات تضمن استمرارية التعلمات وتحمي الفئات الأكثر هشاشة.

أما الفيضانات الأخيرة التي شهدتها بعض مناطق شمال المغرب، والتي وقعت بعد انتهاء إعداد الدراسة، فقد قدمت دليلا واقعيا إضافيا على هشاشة المنظومة التعليمية في مواجهة الأزمات المناخية، حيث أدت إلى إغلاق مؤسسات تعليمية ونقل آلاف التلاميذ، وتسببت في انقطاعات طويلة في التعلم في بعض المناطق كما كشفت عن تفاوتات كبيرة في قدرة الجهات على الاستجابة، وعن صعوبات لوجستية مرتبطة بإعادة إسكان التلاميذ وتنظيم النقل المدرسي وضمان استمرار الدراسة.

وهذه الأحداث أكدت، وفق التقرير الصادر عن المؤسسة الرسمية أن التعرض المتزايد للمخاطر المناخية يفرض الانتقال من منطق التدبير الاستعجالي إلى منطق التوقع والاستباق، من خلال إعداد خطط جهوية مسبقة وإرساء منظومة تعليمية هجينة قادرة على ضمان الاستمرارية التعليمية في جميع الظروف.

وأبرز التقرير أن الأزمات المتتالية تسببت في فاقد تعليمي ملموس، يتمثل في فجوة بين مستوى التعلمات المستهدفة والمكتسبات الفعلية للتلاميذ، خصوصا في المهارات الأساسية مثل القراءة والرياضيات، وأن هذه الخسائر لم تكن متساوية بين جميع التلاميذ، بل أثرت بشكل أكبر على التلاميذ المنحدرين من أوساط اجتماعية هشة أو مناطق قروية أو معزولة.

ويحذر التقرير من أن التأخر المتراكم في هذه المجالات قد يؤثر بشكل دائم على المسارات الدراسية والمهنية للتلاميذ إذا لم يتم التدخل بسرعة من خلال برامج دعم واستدراك فعالة وموجهة. كما يؤكد أن كل يوم دراسي ضائع دون استدراك فعال يتحول إلى فاقد تعليمي مستمر قد يصبح غير قابل للاستدراك.

كما كشف التقرير أن الأزمات أظهرت تفاوتات مجالية واضحة في قدرة المؤسسات التعليمية على الاستجابة، حيث كانت المناطق القروية والمعزولة أكثر عرضة للانقطاعات التعليمية بسبب ضعف البنيات التحتية الرقمية ومحدودية الموارد المحلية، إضافة إلى ضعف التنسيق بين المؤسسات التعليمية والجماعات الترابية والفاعلين المحليين وأكد التقرير أن تحقيق المساواة الفعلية في التعليم يتطلب تعزيز القدرة على الصمود الترابي وتمكين الجهات من أدوات التخطيط والاستجابة المناسبة.

على المستوى المؤسساتي، أشار التقرير إلى استمرار مركزية القرار وضعف التخطيط الترابي الدقيق، ما يحد من قدرة الجهات والمؤسسات المحلية على اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة في حالات الطوارئ كما يكشف عن غياب أنظمة جاهزة لضمان الاستمرارية التعليمية وضعف توثيق التجارب السابقة وتحويلها إلى ذاكرة مؤسساتية يمكن الاستفادة منها في المستقبل، وهو ما يؤدي إلى تكرار نفس الاختلالات عند كل أزمة جديدة.

كما أبرز التقرير هشاشات على مستوى المناهج التعليمية، حيث أظهرت الانقطاعات الطويلة محدودية قدرة المناهج على التكيف بسرعة مع الظروف الجديدة، وغياب إطار واضح لتحديد أولويات التعلمات الأساسية، إضافة إلى محدودية نجاعة برامج الدعم المدرسي، وعدم ملاءمة أدوات التقويم مع أنماط التعليم الجديدة، واستمرار عدم اكتمال مأسسة التعليم الهجين ويؤكد التقرير أن هذه الاختلالات تؤدي إلى تعميق الفوارق التعليمية وتهديد المسارات الدراسية للتلاميذ على المدى الطويل.

الأزمات كان لها أيضا تأثير نفسي واجتماعي عميق على التلاميذ، حيث أدت إلى زيادة مستويات القلق وعدم الاستقرار النفسي، وتفكك العلاقة التربوية بين المدرسة والمتعلم، كما أثرت على الصحة النفسية للمدرسين والفاعلين التربويين، وأظهرت الحاجة الملحة إلى توفير دعم نفسي واجتماعي للتلاميذ والمدرسين على حد سواء وأبرزت أصوات التلاميذ، التي اعتمدت عليها الدراسة حاجتهم إلى الإنصات، والاستقرار، والدعم النفسي، وضمان استمرارية تعليمية واضحة، إضافة إلى شعورهم بعدم تكافؤ الفرص في الولوج إلى الوسائط الرقمية.

كما كشف التقرير عن هشاشات مرتبطة بالبنيات التحتية المدرسية، سواء المادية أو الرقمية، حيث أظهرت الأزمات ضعف تجهيز المؤسسات التعليمية، وغياب تصور مؤسساتي شامل للتعليم الهجين، وعدم توفر البنيات التحتية الكفيلة بضمان استمرارية التعلم في حالات الطوارئ كما يشير إلى أن الفجوة الرقمية لا تتعلق فقط بالولوج إلى الأجهزة والإنترنت، بل تشمل أيضا الصيانة والكفايات الرقمية والحكامة.

ورغم هذه الاختلالات، سجل التقرير وجود عناصر قوة داخل المنظومة التعليمية، أبرزها الالتزام المهني الكبير للمدرسين والتضامن المجتمعي، وظهور مبادرات جهوية مبتكرة، وقدرة المنظومة على التفاعل مع الأزمات، غير أن التقرير يؤكد أن هذه الديناميات الإيجابية لا يمكن أن تعوض غياب إصلاحات بنيوية مستدامة ومؤسساتية.

وأكد التقرير أن الصمود التربوي لا يقتصر على الاستجابة للأزمات، بل يتطلب تحولا بنيويا شاملا يشمل تعزيز الحكامة وتحديث المناهج وإرساء منظومة تعليمية هجينة مؤسساتية وتعزيز الحكامة الترابية، وتحديث البنيات التحتية المدرسية، وتطوير أنظمة معلومات لرصد الفاقد التعليمي والهدر المدرسي، إضافة إلى تعبئة البحث العلمي لتطوير سياسات تعليمية قائمة على الأدلة كما دعا إلى إدماج مفهوم الصمود ضمن الإطار المرجعي للمناهج، وتعزيز المهارات الحياتية، وترسيخ ثقافة تدبير المخاطر، وضمان ولوج متكافئ إلى التعليم الرقمي.

وشدد التقرير على أن الصمود التربوي مسؤولية مشتركة لا تقتصر على وزارة التربية الوطنية، بل تشمل الدولة والجماعات الترابية والمدرسين والأسر والمجتمع المدني، ويتطلب استمرارية سياسية ومؤسساتية تتجاوز الدورات الانتخابية وتعاقب الحكومات.

وخلص التقرير إلى أن الصمود التربوي لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان الاستقرار المجتمعي والعدالة التعليمية، وأن كل انقطاع مدرسي طويل يضعف المسارات الفردية للتلاميذ وقد يترك آثارا ممتدة في الزمن، مؤكدا أن بناء مدرسة قادرة على الاستباق والامتصاص والتكيف والتحول في مواجهة الأزمات يمثل شرطا أساسيا لحماية الحق في التعليم وضمان مستقبل الأجيال القادمة في عالم يتسم بتزايد المخاطر والأزمات.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق