الشلالات تسترجع جاذبيتها ضواحي البيضاء وتحيي اقتصادا محليا موسميا

adminمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
الشلالات تسترجع جاذبيتها ضواحي البيضاء وتحيي اقتصادا محليا موسميا


خارج الإيقاع السريع للدار البيضاء، وعلى مسافة لا تحتاج أكثر من قرار عفوي في صباح نهاية الأسبوع، بدأت الطبيعة في نواحي المدينة تستعيد صوتها وصورتها، بعد التساقطات المطرية الأخيرة التي غيرت ملامح أماكن كاملة، وأعادت إليها الحياة.

فالطريق نحو هذه الفضاءات لم يعد مجرد انتقال جغرافي، بل تحول إلى عبور رمزي من ضجيج الإسمنت إلى سكينة الماء والخضرة، حيث كان للمطر أثر واضح لا تخطئه العين، في منطقة الشلالات. إذ استعادت مجاري المياه التي ظلت لأشهر ساكنة حركتها، كما عادت الشلالات التي غابت طويلا لتنساب بهدوء، حاملة معها أصواتا مألوفة افتقدها الزوار.

هنا، يتباطأ الزمن، ويستعيد المكان قدرته على احتضان العائلات والشباب الباحثين عن فسحة طبيعية بسيطة، بلا تكلف ولا برامج مسبقة.

مع أولى ساعات النهار، تبدأ العائلات في التوافد، محملة بسلال الطعام ومفارش الجلوس، لتختار مواقع قريبة من مصب الشلال. خيام صغيرة تنصب بعفوية، أطفال يركضون قرب الماء، وأحاديث هادئة تختلط بصوت الجريان. في هذا المشهد، لا شيء يوحي بالمدينة القريبة سوى السيارات المتوقفة على مسافة، وكأن الجميع اتفق ضمنيا على ترك صخب الحياة اليومية خلفه.

نبيل، شاب في الخامسة والعشرين من عمره، من مدينة الدار البيضاء، واحد من زوار هذا المكان الدائمين، أعرب في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، عن ارتياحه الكبير لعودة الشلالات إلى التدفق، مؤكدا أن هذه الزيارة الأسبوعية أصبحت طقسا عائليا لكسر الرتابة والضغط الذي يفرضه إيقاع الحياة السريع بالعاصمة الإقتصادية.

يتابع نبيل مبتسما: “أحب أن أستيقظ صباح الأحد مبكرا، أحمل معي بعض الطعام والأواني الضرورية، وأتوجه إلى هذا الفضاء العائلي لنصب خيمتي الصغيرة قرب المصب. هنا الأطفال يركضون ويلعبون بالماء، والعائلة تجلس معا ، نضحك، ونتبادل القصص”.

الجو هنا مختلف تماما عن المدينة، يضيف الشاب وهو منهمك في إعداد الشاي، “الهواء نظيف، صوت الماء يريح الأعصاب، وأحيانا نتوقف فقط لنستمع للطبيعة وهي تتحدث إلينا”.

وغير بعيد عن خيمة نبيل يجلس ياسين ذو 22 ربيعا رفقة شباب آخرين حول طاجين وضع فوق الجمر، يراقبون نضجه بتمهل، فيما تتوزع الأدوار بين إعداد الشاي، والتقاط الصور، والاستمتاع بمشهد الطبيعة التي استعادت لونها الأخضر.

المطر أعاد لهذا المكان رونقه، يقول الشاب القادم من مدينة المحمدية، “قبل التساقطات المطرية الأخيرة كانت الألوان هنا باهتة وكانت ملامح الجفاف تطغي على المشهد. أما اليوم، فكل شيء يبدو حيا من جديد، الهواء مختلف، صوت الماء مريح، والجلوس هنا يجعلنا ننسى ضغط المدينة، ولو لوقت قصير”.

هذا الحضور البشري الكثيف انعكس بشكل مباشر على الحياة الاقتصادية المحلية. فعلى طول الطريق المؤدية إلى الشلالات، يصطف فلاحون يعرضون خضرهم الطازجة للبيع، بينما تبيع عدد من النساء منتجات طبيعية بينها الحليب واللبن والزبدة، في علاقة مباشرة وبسيطة مع الزائر. مشاهد البيع والشراء هنا لا تخلو من طابع إنساني، حيث تختلط التجارة بالأحاديث العابرة والابتسامات المتبادلة، في اقتصاد محلي صغير تحركه الثقة والموسمية.

ومع اقتراب وقت الغذاء، تتحول بعض الفضاءات المجاورة إلى مطابخ مفتوحة في الهواء الطلق. طواجن تعد على نار هادئة، وروائح تشد الزوار العابرين، ليجدوا أنفسهم جزءا من مشهد جماعي، تتقاطع فيه الرغبة في الأكل مع متعة الجلوس وسط الطبيعة. هذه الدينامية الجديدة لم تكن قائمة لولا عودة الماء، الذي أعاد للمكان جاذبيته وأعاد للسكان المحليين مورد رزق ينتظرونه مع كل موسم مطير.

على بعد كيلومترات أخرى، تقدم ضواحي بنسليمان صورة مختلفة للطبيعة بعد الأمطار. هناك، لا يكتفي الزوار بالجلوس والتأمل، بل يغامرون داخل مسارات وعرة وسط السفوح. حيث يجد عشاق تسلق الجبال ضالتهم في التضاريس المبللة تحديا إضافيا، بينما تشق الدراجات النارية طرقها بين المنحدرات، في مشهد يجمع بين القوة والانسجام مع الطبيعة.

في هذه المناطق، تبدو الأرض وكأنها استعادت توازنها، ومعها عاد الإنسان ليكتشف أشكالا مختلفة من المتعة خارج أسوار المدينة. بين نزهة عائلية هادئة قرب الشلالات، ومغامرة رياضية في مرتفعات بنسليمان، تتقاطع الرغبة في الهروب المؤقت من ضغط الحياة اليومية، مع البحث عن علاقة أبسط مع المكان والطبيعة.

ومع توالي عطلات نهاية الأسبوع، تتحول هذه الفضاءات الطبيعية إلى متنفس جماعي غير معلن، يربط المدينة بنواحيها، ويكشف أن المطر، حين يعود، لا ينعش الأرض فقط، بل يحيي أيضا أنماط عيش كاملة، ويعيد للناس متعة اللقاء بالطبيعة، ولو ليوم واحد.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق