الصناعة السينمائية في حاجة إلى إعفاءات ضريبية قصد الإقلاع الاقتصادي والتنموي الجديد

admin6 يناير 2026آخر تحديث :
الصناعة السينمائية في حاجة إلى إعفاءات ضريبية قصد الإقلاع الاقتصادي والتنموي الجديد


لم تعد الصناعة السينمائية، في السياقين الوطني والدولي، قطاعًا ثقافيًا صرفًا أو نشاطًا ترفيهيًا محدود الأثر، بل تحولت إلى صناعة متكاملة ذات مردودية اقتصادية واجتماعية عالية، وقادرة على المساهمة الفعلية في خلق الثروة، وجذب الاستثمارات، وتوفير فرص الشغل، وتعزيز الإشعاع الدولي للدول. غير أن هذا التحول الاستراتيجي يظل، في الحالة المغربية، مشروطًا بإصلاح عميق للسياسات العمومية المؤطرة للقطاع، وعلى رأسها السياسة الجبائية.

الصناعة السينمائية: رافعة استراتيجية للاقتصاد الوطني

تتميز السينما بقدرتها على تحريك منظومة اقتصادية واسعة، تمتد من الإنتاج السمعي البصري إلى السياحة، والخدمات، والنقل، والفندقة، والصناعات الثقافية والإبداعية. فكل عمل سينمائي هو مشروع اقتصادي متكامل، يخلق قيمة مضافة مباشرة وغير مباشرة، ويساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية محليًا ووطنيا. ورغم هذه الإمكانات، لا تزال السينما في المغرب تُعامل في كثير من الأحيان كقطاع ثانوي، بدل اعتبارها رافعة تنموية حقيقية.

الضغط الجبائي وأثره على تنافسية الإنتاج السينمائي

يواجه المنتجون السينمائيون ضغطًا جبائيًا لا يراعي خصوصية هذا القطاع القائم على المخاطرة، وعدم استقرار المداخيل، وطول دورات الإنتاج والتسويق. فتكاليف الضرائب والرسوم المفروضة على مختلف مراحل الإنتاج والتوزيع تُثقل كاهل الشركات، وتُضعف تنافسية الفيلم المغربي مقارنة بإنتاجات دول أخرى تستفيد من أنظمة تحفيزية مرنة وجذابة.

الإعفاءات الضريبية كآلية لتحفيز الاستثمار السينمائي

تشكل الإعفاءات والتحفيزات الجبائية أحد أهم الأدوات المعتمدة عالميًا لتشجيع الاستثمار في السينما. فاعتماد إعفاءات جزئية، أو أنظمة استرجاع ضريبي، من شأنه تشجيع المنتجين على رفع حجم الاستثمارات، وتحسين جودة الأعمال، والانخراط في مشاريع أكثر طموحًا وقابلية للتسويق.

قاعات السينما: إعفاءات ضريبية لإنقاذ حلقة مفقودة

يُعد مشكل قاعات السينما من أبرز أعطاب المنظومة السينمائية الوطنية، خاصة في المدن المتوسطة والصغرى التي تعاني شبه غياب لبنيات العرض. وفي ظل كلفة الاستثمار المرتفعة وضعف المردودية في السنوات الأولى، يصبح إقرار إعفاء ضريبي يمتد بين خمس وعشر سنوات لفائدة إنشاء قاعات سينمائية جديدة إجراءً حاسمًا، من شأنه تشجيع الخواص على الاستثمار، وتحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى الثقافة، وتنشيط الحياة الاقتصادية المحلية.

جذب الإنتاجات الأجنبية: فرصة ضائعة دون تحفيزات

يتوفر المغرب على مؤهلات طبيعية وبشرية وتقنية مهمة، جعلته في مراحل سابقة وجهة مفضلة لعدد من الإنتاجات الأجنبية الكبرى. غير أن غياب تحفيزات ضريبية تنافسية، مقارنة بدول أخرى، جعل هذه الإمكانات تتحول إلى فرص غير مستغلة، رغم ما يمكن أن تدره هذه الإنتاجات من عملة صعبة، ونقل للخبرات، وترويج للصورة الثقافية والسياحية للبلاد.

تخفيض رسوم استيراد وتصدير الأفلام: دعم لانفتاح السوق

يشكل استيراد الأفلام الأجنبية وتصدير الإنتاج الوطني جزءًا أساسيًا من الدورة الاقتصادية للقطاع. غير أن الرسوم الجمركية والضريبية المرتفعة المرتبطة بهذه العمليات تحدّ من حيوية السوق، وتضعف تنافسية الفيلم المغربي خارجيًا. ومن هنا تبرز ضرورة تخفيض الرسوم المرتبطة باستيراد الأفلام من الخارج، وتسهيل وتخفيض تكاليف تصديرها إلى الأسواق الدولية، بما يفتح آفاقًا أوسع للتوزيع والتبادل الثقافي.

السينما ومناصب الشغل: إمكانات غير مستغلة

تُعد الصناعة السينمائية من أكثر القطاعات كثافة في التشغيل، خصوصًا لفائدة الشباب والتقنيين والفنانين. غير أن هشاشة البنية الاقتصادية، وغياب سياسة جبائية مشجعة، يحدّان من قدرتها على خلق فرص شغل مستقرة ومستدامة، ويُبقيان جزءًا مهمًا من الكفاءات في وضعية هشاشة أو هجرة مهنية.

تخفيضات على معدات التصوير: دعم مباشر للبنية التقنية

تعتمد السينما الحديثة على معدات تقنية متطورة، غالبًا ما تُستورد بتكاليف مرتفعة، ما يرفع كلفة الإنتاج ويؤثر على جودة الأعمال. لذا، يصبح تخفيض الرسوم الجمركية والضرائب على معدات التصوير، والإنارة، والصوت إجراءً ضروريًا، خاصة لفائدة شركات كراء المعدات، باعتبارها حلقة أساسية في سلسلة الإنتاج، وعنصرًا حاسمًا في تقليص التكاليف ورفع مستوى الاحترافية.

شركات كراء المعدات: دعامة غير مرئية للإنتاج

تلعب شركات كراء المعدات دورًا محوريًا في إنجاح الإنتاجات الوطنية والأجنبية، لكنها تظل خاضعة لنفس الإكراهات الجبائية الثقيلة. إن تمتيع هذه الشركات بتحفيزات ضريبية خاصة، سواء عبر إعفاءات مرحلية أو تخفيضات على الاستثمار، من شأنه تقوية النسيج المهني وضمان استدامة خدمات حيوية للصناعة ككل.

منظمو المهرجانات: من التظاهرة الثقافية إلى المحرك الاقتصادي

لم تعد المهرجانات السينمائية مجرد مناسبات فنية، بل تحولت إلى محركات اقتصادية وسياحية وترويجية للمدن والجهات. ورغم ذلك، يشتغل العديد من منظمي المهرجانات في ظل عبء ضريبي لا يراعي طبيعة نشاطهم غير الربحي أو الموسمي. ومن هنا تبرز ضرورة إقرار نظام جبائي خاص بمنظمي المهرجانات السينمائية، يشمل إعفاءات أو تخفيضات ضريبية، لضمان استمرارية هذه التظاهرات وتعزيز أثرها الاقتصادي والثقافي.

التجارب الدولية: دروس قابلة للاستلهام

أثبتت التجارب الدولية، في أوروبا وأمريكا الشمالية وبعض الدول الإفريقية الصاعدة، أن التحفيزات الجبائية كانت ركيزة أساسية لنهضة الصناعة السينمائية. فقد راهنت هذه الدول على الإعفاءات الضريبية وبنت منظومات سينمائية قوية ومنافسة، قادرة على التصدير وجذب الاستثمارات.

من الدعم الظرفي إلى سياسة ضريبية بنيوية

رغم أهمية آليات الدعم العمومي، فإنها تظل حلولًا ظرفية لا تكفي وحدها لضمان إقلاع حقيقي ومستدام. المطلوب اليوم هو سياسة ضريبية بنيوية، واضحة ومستقرة، تنقل السينما من منطق الدعم إلى منطق الاستثمار، وتمنح الثقة للمهنيين والمستثمرين.

رهان الإصلاح الجبائي لإنجاح الإقلاع السينمائي

إن الرهان الحقيقي للنهوض بالصناعة السينمائية يمر عبر إصلاح جبائي شجاع، يدرك أن ما قد تخسره الدولة على المدى القصير من إعفاءات، ستستعيده مضاعفًا عبر النمو الاقتصادي، وخلق فرص الشغل، وتوسيع القاعدة الضريبية مستقبلًا. فالإعفاءات الضريبية ليست امتيازًا، بل استثمارًا استراتيجيًا في صناعة قادرة على أن تكون رافعة للاقتصاد الوطني والتنمية الثقافية والمجالية المستدامة.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق