عادت أسعار المحروقات بالمغرب إلى الارتفاع ابتداء من أمس الاثنين، بعدما شرعت شركات التوزيع في تطبيق زيادة جديدة بلغت 25 سنتيما للتر الواحد، لترتفع أسعار الغازوال مجددا إلى ما فوق العتبة الرمزية البالغة 10 دراهم منهية فترة قصيرة من الانخفاض النسبي كانت قد غذّت آمال المستهلكين بإمكانية استقرار الأسعار.
وهذه الزيادة التي تبدو محدودة من حيث القيمة، تزامن مع ذروة الصراع في الشرق الأوسط، الذي كان من بين انعكاساته قرار إيران إغلاق مضيق هرمز الحيوي لتجارة المحروقات، كما أعادت إلى الواجهة ملفا ظل منذ تحرير القطاع سنة 2015 في قلب الجدل السياسي والاقتصادي، يتعلق ببنية سوق المحروقات وهوامش أرباح الشركات فضلا عن استمرار النقاش حول تضارب المصالح في ظل ترؤس رئيس الحكومة عزيز أخنوش لمجموعة تُعد من أكبر الفاعلين في هذا القطاع الحيوي.
ووفق المعطيات التي أعلنتها شركات التوزيع، ارتفع سعر لتر الغازوال إلى حوالي 10,20 دراهم بعدما كان قد انخفض إلى نحو 9,95 دراهم في نهاية دجنبر 2025، وهو المستوى الذي شكل حينها حدثا لافتا، لأنه أعاد السعر إلى ما دون العتبة الرمزية البالغة 10 دراهم لأول مرة منذ أشهر طويلة أما سعر البنزين الممتاز الخالي من الرصاص، فقد ارتفع بدوره إلى حوالي 13,30 درهما للتر الواحد، مقابل نحو 13,05 دراهم سابقا.
وتكتسي هذه الزيادة أهمية تتجاوز بعدها الرقمي، بالنظر إلى أن تجاوز عتبة 10 دراهم بالنسبة للغازوال يمثل مؤشرا نفسيا واقتصاديا بالغ الحساسية، بالنظر إلى أن هذه المادة تشكل الوقود الأساسي لقطاع النقل الطرقي، الذي يمثل العمود الفقري لحركة السلع والأشخاص في المغرب. وبالتالي، فإن أي زيادة طفيفة تنقل أثرها بشكل شبه مباشر إلى كلفة النقل، ثم إلى أسعار المواد الغذائية والمنتجات الاستهلاكية والخدمات، ما يفاقم الضغط على القدرة الشرائية للأسر.
سوق محرر منذ 2015… لكن المنافسة تظل محل تساؤل
يأتي هذا التطور في سياق استمرار العمل بنظام تحرير أسعار المحروقات الذي دخل حيز التنفيذ نهاية سنة 2015، عندما قررت الحكومة التي كان يرأسها عبد الإله بن كيران، إنهاء العمل بنظام المقاصة بالنسبة للبنزين والغازوال، وترك تحديد الأسعار لشركات التوزيع وفق منطق العرض والطلب وتكاليف السوق الدولية وقد بررت الحكومة حينها هذا القرار بضرورة تخفيف العبء المالي للدعم العمومي وتعزيز المنافسة، وتشجيع الاستثمار في القطاع.
غير أن التجربة الممتدة لأكثر من عشر سنوات أظهرت أن تحرير الأسعار لم ينهِ الجدل بل فتح نقاشا جديدا حول طبيعة المنافسة داخل السوق المغربية، التي يهيمن عليها عدد محدود من الفاعلين الكبار الذين يتحكمون في الحصة الأكبر من الاستيراد والتخزين والتوزيع، وهو ما يجعل السوق أقرب إلى نموذج “التركيز الاقتصادي المرتفع”، حيث تكون القدرة التنافسية محدودة نسبيا مقارنة بالأسواق التي تضم عددا أكبر من المتدخلين.
وقد أدى هذا الوضع إلى بروز انتقادات متكررة من قبل فاعلين سياسيين ونقابيين وخبراء اقتصاديين، الذين اعتبروا أن الأسعار في المغرب لا تنخفض بالسرعة نفسها التي تنخفض بها الأسعار الدولية، بينما ترتفع بسرعة أكبر عند حدوث أي توتر في الأسواق العالمية، ما يطرح تساؤلات حول آليات تحديد الأسعار وهوامش الربح الفعلية.
في هذا السياق، كان مجلس المنافسة قد فتح تحقيقا واسعا في ممارسات شركات توزيع المحروقات، خلص إلى وجود ممارسات اعتبرها المجلس منافية لقواعد المنافسة من بينها شبهات تتعلق بالتنسيق غير المباشر في تحديد الأسعار، ما أدى إلى إصدار قرارات تضمنت فرض غرامات مالية كبيرة على عدد من الشركات قبل أن يتم التوصل إلى اتفاقات تصالحية سنة 2023.
وقد بلغت قيمة التسويات المالية التي التزمت بها الشركات المعنية 1,84 مليار درهم أدتها 9 شركات، في واحدة من أكبر عمليات التسوية في تاريخ المنافسة الاقتصادية بالمغرب، مقابل تعهدات بتحسين الشفافية في تحديد الأسعار وتعزيز الامتثال لقواعد المنافسة.
ورغم ذلك، أشار مجلس المنافسة في تقاريره الدورية لسنة 2025 إلى أن أسعار بيع المحروقات “متماشية إجمالا مع تكاليف الشراء”، وهي صيغة حذرة لم تنفِ بشكل صريح استمرار تحقيق هوامش أرباح مرتفعة، خصوصا في ظل غياب سقف تنظيمي للأسعار أو آلية تسقيف مؤقتة يمكن اللجوء إليها لحماية المستهلك في فترات الارتفاع الحاد.
ويُجمع عدد من الخبراء على أن أحد العوامل البنيوية التي أعادت تشكيل ميزان القوى داخل سوق المحروقات هو توقف نشاط مصفاة “سامير” بالمحمدية سنة 2015، وهو الحدث الذي أنهى قدرة المغرب على تكرير النفط الخام محليا، وجعل البلاد تعتمد بشكل شبه كامل على استيراد المنتجات المكررة.
وقد أدى هذا التحول إلى نقل مركز الثقل الاقتصادي من نشاط التكرير إلى نشاط الاستيراد والتوزيع، وهو المجال الذي تسيطر عليه شركات خاصة، ما عزز نفوذها داخل سلسلة القيمة، وجعلها الفاعل الرئيسي في تحديد السعر النهائي للمستهلك.
ويرى مختصون أن غياب مصفاة وطنية يقلص هامش تدخل الدولة في ضبط السوق، ويجعل الأسعار أكثر ارتباطا بتقلبات السوق الدولية وشروط التوريد التي تحددها الشركات المستوردة.
ويتخذ الجدل حول أسعار المحروقات بعدا سياسيا إضافيا بالنظر إلى أن رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش، يُعد أحد أبرز الفاعلين في هذا القطاع، من خلال مجموعة “أكوا”، التي تمتلك شركة “أفريقيا” للمحروقات، وهي واحدة من أكبر شبكات محطات الوقود في المغرب.
ورغم أن أخنوش أعلن عند توليه رئاسة الحكومة تخليه عن مهامه التسييرية المباشرة داخل المجموعة، فإن استمرار ارتباطه بها كمؤسس ومساهم رئيسي ظل موضوع نقاش سياسي وأخلاقي واسع، حيث أن هذا الوضع يطرح إشكالية تضارب المصالح، خصوصا في قطاع محرر تلعب فيه القرارات الحكومية بشكل مباشر أو غير مباشر دورا في تحديد الإطار التنظيمي والضريبي.
وقد تحول هذا الموضوع إلى أحد أبرز محاور النقاش داخل البرلمان وفي الفضاء العمومي، حيث طالبت أصوات سياسية ومدنية بآليات أكثر صرامة لضمان الفصل الواضح بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية في القطاعات الاستراتيجية.
أرباح الشركات مقابل تآكل القدرة الشرائية
وتأتي الزيادة الجديدة في سياق اقتصادي لا يزال يتسم بتحديات مرتبطة بالتضخم وتراجع القدرة الشرائية، حيث تشكل كلفة الطاقة أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر على أسعار النقل والإنتاج والخدمات.
ويرى خبراء أن أي ارتفاع في أسعار الغازوال ينعكس بشكل مباشر على كلفة نقل البضائع، وهو ما يؤدي تدريجيا إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمنتجات الأساسية، خصوصا في بلد يعتمد بشكل كبير على النقل الطرقي في توزيع السلع.
في المقابل، تشير تقارير مالية إلى أن شركات توزيع المحروقات واصلت تحقيق نتائج مالية قوية خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بارتفاع الطلب المحلي ونمو شبكة التوزيع، وهو ما يغذي الانتقادات التي ترى أن المستهلك يتحمل العبء الأكبر لتقلبات السوق، بينما تستفيد الشركات من هامش المناورة الذي يوفره نظام التحرير.
وتعزو شركات التوزيع عادة أي زيادة في الأسعار إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد وتقلبات أسعار النفط في الأسواق الدولية، وهي عوامل حقيقية لا يمكن إنكار تأثيرها غير أن خبراء يشيرون إلى أن السعر النهائي للمستهلك لا يعكس فقط سعر النفط الخام، بل يشمل أيضا تكاليف النقل والتخزين والضرائب وهوامش الربح، وهي عناصر تختلف من بلد إلى آخر حسب بنية السوق ومستوى المنافسة.
ويؤكد هؤلاء أن وجود سوق أكثر تنافسية أو آليات تنظيمية أكثر فعالية، يمكن أن يحد من تأثير التقلبات الدولية على المستهلك النهائي، فيما تعكس الزيادة الجديدة في أسعار المحروقات هشاشة التوازن داخل سوق محرر يعتمد بشكل كبير على الفاعلين الخواص وعلى تقلبات السوق الدولية، في وقت تظل فيه الحكومة مطالبة بضمان شروط المنافسة العادلة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

