اليوم العالمي للمسرح.. عيدٌ بأيّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟

adminمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
اليوم العالمي للمسرح.. عيدٌ بأيّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟


في السابع والعشرين من مارس من كل سنة يحتفل العالم بـاليوم العالمي للمسرح، ذلك الموعد الرمزي الذي أقرّه المعهد الدولي للمسرح سنة 1961 ليكون لحظة تأمل في دور المسرح في حياة الشعوب، ووقفة لتجديد الإيمان بهذه الخشبة الصغيرة التي لطالما حملت أسئلة الإنسان الكبرى. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، بإلحاح لا يخلو من مرارة: بأيّ حالٍ يعود هذا العيد على المسرح؟

هل لازال على المسارح نبض من حياة، هل لازال المسرح ممتلئ بالأسئلة والجرأة والجمال؟ أم اصبح مسرحنا يُصارع لكي يظل واقفًا، في زمنٍ تتكاثر فيه الشاشات وتتخمنا التطبيقات وتضيق المساحات المخصّصة للفن الحي؟

لقد كان المسرح، عبر التاريخ، أكثر من مجرد فرجة. منذ أيام سوفوكليس وأريستوفانيس، وصولًا إلى شكسبير وبرتولت بريخت، ظلّ المسرح مرآة المجتمع، ومختبر الأفكار، ومنبر الحرية. على الخشبة كان الإنسان يواجه نفسه، ويسائل السلطة، ويعيد اكتشاف العالم.

غير أن الاحتفال بالمسرح اليوم، في كثير من البلدان، صار أقرب إلى طقسٍ رمزي منه إلى لحظة حقيقية للمراجعة. تُلقى الخطب، تُتلى الرسائل، تُرفع الشعارات، لكن الواقع غالبًا ما يبقى على حاله: قاعات قليلة، إنتاج محدود، ومسرحيون يواصلون العمل بإمكانات ضئيلة وإيمان كبير.

في عالمٍ تحكمه السرعة وثقافة الاستهلاك، يبدو المسرح فنًا عنيدًا. هو لا ينافس الشاشات بعدد المشاهدات، ولا يقيس نجاحه بالليكات. قوته تكمن في شيء آخر: انه سحر اللقاء الحي بين الممثل والجمهور، في تلك اللحظة الهشة التي لا يمكن استنساخها ولا تحميلها ولا إعادة بثها.

وربما لهذا السبب بالذات يظل المسرح ضروريًا. فحين تتشابه الصور وتفيض الشاشات بالضجيج، يبقى المسرح مساحة نادرة للتفكير الجماعي، ولطرح الأسئلة التي لا تجد مكانًا في العناوين السريعة.

إن الاحتفال باليوم العالمي للمسرح لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاء بالفن، بل أيضًا مناسبة لمساءلة السياسات الثقافية، ووضع الفنان في قلب المشروع المجتمعي. فالمسرح لا يعيش بالتصفيق وحده، بل يحتاج إلى رؤية، وبنية تحتية، وتكوين، ودعم يضمن استمراريته.

وعليه، حين يطلّ هذا العيد كل عام علينا نحن معشر المسرحيين، نسأل نفس السؤال وبإلحاح نردده في العلن وفي الكواليس وعلى الركح:

هل نحتفل بالمسرح هنا بالمغرب … أم نواسيه؟

لا يمكن الحديث اليوم عن أزمة المسرح المغربي بمعزل عن غياب استراتيجية وطنية واضحة وشاملة للفنون والثقافة. فالإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في ضعف الإمكانيات، بل في غياب رؤية متكاملة تجعل من المسرح رافعة للتنمية الثقافية والإنسانية. إن الدعم، رغم أهميته، يظل إجراءً تقنياً محدود الأثر إذا لم يُواكب بسياسة ثقافية منسجمة تضع أهدافاً بعيدة المدى وتضمن استمرارية الفعل المسرحي.

إلى جانب ذلك، يطرح مشكل البنيات التحتية نفسه بإلحاح، حيث تعاني معظم المدن من نقص حاد في القاعات المسرحية المجهزة، مما يجعل العروض رهينة فضاءات محدودة أو مناسبات موسمية. فكيف يمكن خلق علاقة مستدامة مع الجمهور في ظل غياب فضاءات تحتضن هذا اللقاء الحي؟

ثم إن استقطاب الجمهور لا يمكن أن يتحقق فقط عبر إنتاج عروض جديدة، بل يتطلب عملاً عميقاً يبدأ من المدرسة ويمر عبر الإعلام وينتهي عند خلق عادة ثقافية لدى المتلقي. فالجمهور لا يُصنع بالصدفة، بل عبر سياسات تربوية وثقافية متكاملة. لقد عرف المسرح المغربي وهجاً خاصاً مع رواد كبار مثل الطيب الصديقي والطيب العلج… حيث كان المسرح جزءاً من الحياة اليومية وفضاءً للنقاش المجتمعي. أما اليوم، فإن استعادة ذلك البريق تظل رهينة بإرادة حقيقية لإعادة الاعتبار للثقافة، ليس كترف، بل كضرورة مجتمعية.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق