بعد أن هدأت “ديبلوماسية الابتزاز” في ملف الصحراء.. ارتفاع صادرات الجزائر من الغاز بـ22% مع استمرار محاول دول أوربية فك الارتباط الطاقي معها

adminمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
بعد أن هدأت “ديبلوماسية الابتزاز” في ملف الصحراء.. ارتفاع صادرات الجزائر من الغاز بـ22% مع استمرار محاول دول أوربية فك الارتباط الطاقي معها


سجّلت صادرات الغاز الجزائري إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب ارتفاعا بنسبة 22 في المائة وفق تقرير محين لمنتدى الدول المصدّرة للغاز، في زيادة ظرفية جاءت مدفوعة ببرودة الشتاء الأوروبي وتراجع مستويات التخزين غير أن هذا الارتفاع لم يغيّر جوهر المعادلة الطاقية في القارة، إذ لا تزال الجزائر وخلافا لما يتم ترويجه بعيدة بفارق واسع عن موقع المورد الأول مع استمرار هيمنة النرويج على أكثر من نصف الإمدادات، في وقت يعيد فيه الاتحاد الأوروبي هيكلة استراتيجيته نحو مصادر أكثر تنوعا خاصة الغاز الطبيعي المسال ما يضع الزيادة الجزائرية في إطار استجابة مؤقتة لسوق متقلبة، أكثر من كونها تحولا دائما في ميزان الطاقة الأوروبي.

وسجّلت إمدادات الغاز الجزائري إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب ارتفاعا بنسبة 22 في المائة خلال يناير الماضي مقارنة بدجنبر 2025، وفق التقرير الشهري لمنتدى الدول المصدّرة للغاز في زيادة بدت للوهلة الأولى، وكأنها تعيد الجزائر إلى صدارة المشهد الطاقي الأوروبي، غير أن قراءة متأنية للمعطيات تكشف أن هذه القفزة حدثت في سياق ظرفي ضاغط على السوق الأوروبية حيث تزامنت مع موجة برد شتوية قاسية رفعت الطلب الإجمالي على الغاز داخل الاتحاد الأوروبي بنحو 10 في المائة على أساس سنوي، ليصل إلى 47 مليار متر مكعب خلال شهر واحد بالتوازي مع تراجع مستويات التخزين إلى نحو 51 في المائة من القدرة الإجمالية، وهو مستوى اعتبره مراقبون مؤشرا على هشاشة التوازن بين العرض والطلب في ذروة موسم الاستهلاك.

وفي مثل هذه الظروف، تبحث الدول الأوروبية عن تعزيز الإمدادات عبر كل القنوات المتاحة، وهو ما يفسر جزئيا الزيادة الجزائرية التي جاءت استجابة مباشرة لضغط السوق أكثر مما تعكس تحولا بنيويا في موقع الجزائر داخل منظومة الطاقة الأوروبية.

والمعطيات نفسها تشير إلى أن الجزائر رغم هذه القفزة، لا تزال بعيدة بفارق واسع عن المورد الأول للغاز عبر الأنابيب، إذ تواصل النرويج الهيمنة على نحو 58 في المائة من إجمالي التدفقات، مقابل 22 في المائة فقط للجزائر، التي تأتي في المرتبة الثانية، متقدمة على روسيا وأذربيجان وليبيا.

وهذا التفاوت، يعكس تحولا استراتيجيا عميقا بدأ يتشكل منذ سنة 2022، عندما شرع الاتحاد الأوروبي في إعادة بناء منظومة أمنه الطاقي على أسس جديدة تقوم على تنويع مصادر الإمداد وتقليص الاعتماد على مورد واحد أو مسار واحد، ولعل الأزمة الدبلوماسية الحادة بين الجزائر وإسبانيا، عقب إعلان مدريد دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية قد كشفت عن هشاشة الترابط بين الطاقة والسياسة بعدما أقدمت الجزائر على تعليق معاهدة الصداقة والتعاون مع إسبانيا وتجميد جزء مهم من المبادلات التجارية معها في خطوة اعتُبرت داخل الأوساط الأوروبية مؤشرا واضحا على إمكانية توظيف العلاقات الاقتصادية والطاقية ضمن سياق التوترات الجيوسياسية.

ورغم استمرار تدفقات الغاز عبر أنبوب Medgaz نحو إسبانيا، فإن تلك الأزمة شكّلت نقطة تحول في وعي الاتحاد الأوروبي بضرورة تقليص تعرضه لأي مخاطر مرتبطة بالاعتبارات السياسية، ما دفع بروكسيل إلى تسريع استثماراتها في محطات الغاز الطبيعي المسال وتوقيع عقود جديدة مع موردين متعددين وتعزيز قدراتها على إعادة توزيع الإمدادات بين الدول الأعضاء، ومنذ ذلك الحين لم يعد موقع أي مورد يُقاس فقط بحجم الكميات التي يضخها، بل أيضا بدرجة الاستقرار والموثوقية التي يوفرها داخل سوق تسعى إلى حماية نفسها من التقلبات السياسية بقدر سعيها إلى تأمين الطاقة.

الأهم من ذلك أن معركة النفوذ داخل سوق الغاز الأوروبية لم تعد تُحسم عبر الأنابيب وحدها، فقد شهدت السنوات الأخيرة تحولا متسارعا نحو الغاز الطبيعي المسال الذي يوفر مرونة أكبر في التوريد، ويتيح لأوروبا تنويع مصادرها بسرعة حسب تطورات الأسعار والطلب.

وتشير المعطيات إلى أن الاتحاد الأوروبي استورد نحو 44 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، أي ما يعادل 59.7 مليار متر مكعب، وهو حجم يفوق بكثير التدفقات التي تصل عبر خطوط الأنابيب الجزائرية وهذا التحول يعكس تغييرا عميقا في فلسفة الطاقة الأوروبية إذ لم يعد الهدف تأمين الإمدادات من أقرب مصدر جغرافي فحسب، بل بناء شبكة توريد عالمية متعددة المسارات، قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية والمناخية.

وفي هذا السياق، تظل الإمدادات الجزائرية مرتبطة ببنية تحتية محددة، تتمثل أساسا في خطي Transmed الذي يربط الجزائر بإيطاليا عبر تونس بطاقة تصل إلى 33.5 مليار متر مكعب سنويا وMedgaz، الذي يربط الجزائر مباشرة بإسبانيا بطاقة 10.5 مليارات متر مكعب.

ورغم أهمية هذين الخطين، فإن قدرتهما تظل محدودة مقارنة بحجم الطلب الأوروبي، كما أن تدفقاتهما تخضع لتقلبات السوق الأوروبية التي أصبحت أكثر قدرة على تعويض أي نقص عبر الغاز المسال وتبقى إيطاليا المستورد الأول للغاز الجزائري، في حين تراجعت حصة الإمدادات عبر الأنابيب في بعض الأسواق الأوروبية لصالح الشحنات البحرية.

وفي محاولة لتثبيت موقعها، أعلنت الجزائر عن برنامج استثماري ضخم بقيمة 60 مليار دولار للفترة الممتدة بين 2026 و2030، بهدف رفع الإنتاج الوطني من نحو 100 مليار متر مكعب سنويا إلى ما بين 130 و140 مليار متر مكعب بحلول نهاية العقد وتشمل هذه الاستثمارات تطوير حقول جديدة، وتعزيز قدرات الإنتاج والنقل، وتحسين كفاءة البنية التحتية القائمة.

غير أن هذه الأهداف رغم طموحها، تظل رهينة تنفيذ مشاريع معقدة تتطلب سنوات من العمل، في وقت تتغير فيه خريطة الطاقة الأوروبية بوتيرة متسارعة، مع توسع قدرات استقبال الغاز المسال، وتوقيع عقود طويلة الأمد مع موردين جدد.

وفي موازاة ذلك، تراهن الجزائر على مشروع خط الأنابيب العابر للصحراء، الذي يهدف إلى نقل الغاز النيجيري إلى أوروبا عبر أراضيها، بطول يقارب 4128 كيلومترا وقدرة تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنويا، وبتكلفة تقديرية تبلغ 13 مليار دولار.

ويُنظر إلى هذا المشروع كوسيلة لتعزيز موقع الجزائر كمحور لعبور الغاز الإفريقي نحو أوروبا، خاصة في ظل احتياطيات نيجيريا الضخمة وقد أعلنت السلطات المعنية إعادة تفعيل آليات التنسيق الفني والسياسي، مع نية إطلاق بعض الأشغال بعد شهر رمضان، غير أن المشروع لا يزال في مرحلة الدراسات والتخطيط، ويواجه تحديات تتعلق بالتمويل وبالجدوى الاقتصادية في سوق تتجه بشكل متزايد نحو الغاز المسال.

كما يأتي هذا المشروع في سياق تنافس إقليمي واضح، في ظل وجود مشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب، الذي يقترح مسارا بديلا عبر الساحل الأطلسي لغرب إفريقيا، مع إمكانية الربط بالسوق الأوروبية ويعكس وجود مسارين محتملين لنقل الغاز الإفريقي حجم الرهان الجيوسياسي المرتبط بالتحكم في طرق إمداد الطاقة نحو أوروبا، في وقت تسعى فيه الدول المنتجة إلى تنويع منافذ التصدير، وتسعى أوروبا إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مسار واحد.

وبهذا، تكشف الزيادة الجزائرية المسجلة مطلع 2026 عن استمرار أهمية الجزائر كمورد للغاز الأوروبي، لكنها لا تمثل تحولا جذريا في ميزان الطاقة داخل القارة فالزيادة جاءت في سياق ظرفي مرتبط بالطلب الشتوي وتراجع المخزونات، ولم تغيّر حقيقة أن أوروبا أعادت صياغة استراتيجيتها الطاقية على أساس التنويع والمرونة، مع اعتماد متزايد على الغاز الطبيعي المسال، وتعدد الموردين والمسارات.

وبذلك، فإن الارتفاع المسجل، رغم أهميته، يظل جزءا من توازنات سوق متغيرة، أكثر من كونه مؤشرا على إعادة تموضع حاسم داخل منظومة الطاقة الأوروبية التي تشهد تحولا هيكليا منذ بداية العقد.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق