بعد استهداف إيران دول الخليج بـ”الردع الرخيص” لتحقيق الشلل الاستراتيجي.. لماذا تواجه هذه الدول صواريخ إيران بـ”الردع العقلاني” دون أن تهاجم طهران؟

adminمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
بعد استهداف إيران دول الخليج بـ”الردع الرخيص” لتحقيق الشلل الاستراتيجي.. لماذا تواجه هذه الدول صواريخ إيران بـ”الردع العقلاني” دون أن تهاجم طهران؟


تستعر الحرب في الشرق الأوسط بين إيران من جانب والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة أخرى، حيث بدأت تأخذا منحى دراماتيكيا تمثّل في قيام طهران بشن هجمات غير مسبوق استهدف دول الخليج عبر موجات مكثفة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، في تصعيد وضع الأمن الإقليمي أمام اختبار هو الأصعب منذ عقود.

هذا الحدث لم يكن مجرد مناوشة عسكرية، بل كان تجسيدا عمليا لاستراتيجية “الإغراق” التي تعتمدها طهران، حيث رصدت المنظومات الدفاعية لدول الخليج إطلاق إيران المئات من المقذوفات المتنوعة في آن واحد اتجاه السعودية والإمارات والكويت وقطر، مما وضع موازين القوى العسكرية في منطقة الشرق الأوسط تحت مجهر التحليل الواقعي بعيدا عن القراءات التقليدية التي تعتمد فقط على عدد الطائرات أو حجم ميزانيات التسليح التي تعتمدها هذه الدول.

عند تحليل ميزانية الدفاع للدول التي تقبع حاليا في خضم حرب الشرق الأوسط، تبرز فجوة هائلة تعكس التوجهات الاستراتيجية لكل طرف. فدول مجلس التعاون الخليجي تنفق مجتمعة ما يتجاوز 120 مليار دولار سنويا على الدفاع (تصدرت السعودية بـ 75 مليار دولار في ميزانية 2025، تليها الإمارات وقطر).

هذه الميزانيات الضخمة تُترجم إلى ترسانة هي الأرقى تكنولوجيا في العالم؛ حيث تمتلك دول الخليج مجتمعة أكثر من 600 مقاتلة حديثة من طرازات (F-15SA)، (F-16 Block 60)، (Eurofighter Typhoon)، و(Rafale)، وهي طائرات قادرة على اختراق أي مجال جوي وتحقيق سيادة جوية مطلقة.

في المقابل، تُقدر ميزانية الدفاع الإيرانية الرسمية بنحو 15 إلى 20 مليار دولار، وتعتمد على سلاح جو متقادم يعود لسبعينيات القرن الماضي (طائرات F-4 وF-14). ومع ذلك، استثمرت إيران هذه الميزانية المحدودة في تطوير “الردع الرخيص” عبر بناء أكبر ترسانة صواريخ باليستية في الشرق الأوسط (تتجاوز 3000 صاروخ) وآلاف المسيرات الانتحارية من طراز “شاهد”، مما خلق ميزان قوى يعتمد على “الكم” في مواجهة “النوع”.

في مواجهة الهجوم الأخير، أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الخليجية (Patriot PAC-3، THAAD) كفاءة اعتراضية تجاوزت 90% في بعض القطاعات، لكن التحدي يكمن في “اقتصاديات الحرب”. فتكلفة صاروخ الاعتراض الواحد من منظومة باتريوت تبلغ ما بين 3 إلى 5 ملايين دولار، بينما لا تتجاوز تكلفة الطائرة المسيرة الإيرانية 20 إلى 50 ألف دولار. هذا يعني أن استنزاف المخزون الدفاعي الخليجي هو هدف استراتيجي إيراني بحد ذاته، واستمرار الهجمات المتوالية يضع ضغطا هائلا على سلاسل الإمداد العسكري، حيث أن الدفاع الناجح لا يعني بالضرورة الانتصار في حرب استنزاف طويلة الأمد، بل يعني تأجيل الضرر بتكلفة مالية وعسكرية باهظة.

السؤال الجوهري حول سبب عدم قيام دول الخليج بمهاجمة العمق الإيراني رداً على استهدافها يجد إجابته في طبيعة البنية التحتية الاقتصادية. فدول الخليج عبارة عن اقتصادات متطورة مبنية على بنية تحتية مركزية؛ مثل محطات تحلية المياه، حقول الغاز المسال، وموانئ تصدير النفط، وهي أهداف ثابتة ومكشوفة جغرافياً.

ومن خلال ذلك، فأي هجوم خليجي على إيران سيتبعه رد إيراني “انتحاري” يستهدف هذه المنشآت، وفي حين أن إيران دولة شاسعة المساحة وبنيتها التحتية متهالكة أو موزعة وغير مرتبطة بالأسواق العالمية، فإن شلل محطة تحلية واحدة في الخليج قد يقطع المياه عن ملايين السكان، وشلل ميناء نفطي واحد قد يوقف تدفقات مالية بمليارات الدولارات يومياً.

تقود دول الخليج اليوم مشاريع تحول وطني (مثل نيوم في السعودية، ورؤية الإمارات 2031) تتطلب تدفقات مستمرة للاستثمار الأجنبي المباشر وبيئة سياحية وخدمية آمنة، ووقوع صراع مباشر يعني تحويل هذه الدول من “واحات للاستقرار العالمي” إلى “مناطق نزاع”، وهو ما سيؤدي فورا إلى هروب الرساميل، وتوقف حركة الطيران الدولي في مطارات عالمية مثل دبي والدوحة والرياض، وارتفاع جنوني في تكاليف التأمين والشحن.

ورغم قوة الاقتصاد الخليجي وملاءته المالية، لا يستطيع تحمل “الشلل الاستراتيجي” الناتج عن حرب طويلة؛ فالنموذج الاقتصادي الخليجي يقوم على الانفتاح والربط مع العالم، وهي ميزات تتحول إلى نقاط ضعف في زمن الحروب الشاملة مع جار يتبنى عقيدة “حافة الهاوية” مثل ما هو الحال مع النظام الإيراني.

بناءً على المعطيات أعلاه، تتبنى القيادات الخليجية ما يمكن وصفه بـ “الردع العقلاني”. والهجوم على إيران ليس خيارا مستبعدا لقدرة عسكرية غائبة، بل هو خيار مؤجل لتجنب انتحار اقتصادي متبادل. لهذا، تفضل دول الخليج استيعاب الضربات عبر أنظمة دفاع متطورة مع تحريك الدبلوماسية الدولية للضغط على طهران، معتبرة أن كلفة اعتراض صاروخ بـ 3 ملايين دولار تظل أقل بكثير من كلفة إعادة إعمار مصفاة نفط بمليار دولار أو فقدان الثقة العالمية في استقرار المنطقة.

ومن خلال ذلك، يصبح ميزان القوى الحالي يفرض حالة من “الجمود العسكري المقيد بالاقتصاد”، حيث يمتلك الطرف الخليجي القدرة على التدمير، ويمتلك الطرف الإيراني القدرة على التعطيل، وبين هذين الخيارين يبقى الاستقرار هو العملة الأغلى التي لا تريد دول الخليج التفريط بها.

تأسيسا على المعطيات السابقة، يبرز مسار “التصنيع الدفاعي المحلي” كخيار استراتيجي حتمي لدول الخليج لكسر معادلة “الاستنزاف المالي”، وتقليل الاعتماد على سلاسل الإمداد الخارجية التي قد تتباطأ في أوقات الأزمات الكبرى.

ولهذا، كان التوجه نحو بناء قاعدة صناعية عسكرية وطنية في بعض دول الخليج، حيث عملت السعودية عبر شركة “سامي” (SAMI) والإمارات عبر مجموعة “إيدج” (EDGE)، إلى معالجة اختلال التكلفة بين وسيلة الهجوم ورأس حربة الدفاع.

وفي حين تستهلك الصواريخ الاعتراضية المستوردة ميزانيات ضخمة، فإن إنتاج منظومات دفاعية محلية، أو تطوير طائرات مسيرة انتحارية قادرة على استهداف منصات الإطلاق الإيرانية بتكلفة منخفضة، سيمنح دول الخليج “نَفساً طويلاً” في أي صراع مستقبلي، ويحول الدفاع من استهلاك مالي إلى استثمار تقني وصناعي.

يظل التحول نحو التصنيع المحلي محفوفا بالتحديات الزمنية والتقنية؛ فبناء منظومة دفاع جوي متكاملة تضاهي “الباتريوت” يتطلب عقودا من البحث والتطوير، وهو وقت قد لا تمنحه الجغرافيا السياسية المشتعلة. لذا، تركز الاستراتيجية الخليجية الحالية على “نقل التقنية” وتوطين صيانة المنظومات القائمة كمرحلة أولى، مع الاستثمار الكثيف في تقنيات “الليزر الدفاعي التي تمثل الحل الأمثل لمعضلة التكلفة، حيث تبلغ كلفة طلقة الليزر الواحدة دولارات معدودة، مما يبطل مفعول “الإغراق الصاروخي” الإيراني الرخيص.

ونجاح هذا التحول سيعيد رسم ميزان القوى، حيث ستنتقل دول الخليج من وضعية “الدفاع المكلف” إلى “الردع المستدام”، مما يعزز قدرتها على حماية اقتصادياتها دون الخوف من نزيف الموارد في حروب استنزاف طويلة.

وتتويجاً لهذا المسار الاستراتيجي، دخلت الخدمة في عامي 2025 و2026 مجموعة من المنظومات الدفاعية والهجومية “محلية الصنع” التي بدأت فعليا في تغيير قواعد الاشتباك وتقليل كلفة الردع؛ ففي المملكة العربية السعودية، أعلنت الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) عن نشر منظومة “اعتراض” الليزرية المتقدمة، المصممة خصيصا لتحييد الطائرات المسيرة الانتحارية بتكلفة طاقة لا تتجاوز بضعة دولارات لكل استهداف، مما يرفع عبء الصواريخ الباهظة عن كاهل الميزانية.

كما دخلت طائرة “هبوب” المسيرة بعيدة المدى مرحلة العمليات الكاملة، وهي طائرة استطلاع وهجوم قادرة على التحليق لساعات طويلة لرصد منصات الإطلاق المتنقلة في العمق.

أما في دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد برزت مجموعة “إيدج” (EDGE) كلاعب دولي من خلال منظومة “ناير” للدفاع الجوي قصير المدى، التي أثبتت كفاءة عالية في اعتراض صواريخ “كروز” الجوالة بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تحدد مسار المقذوف بدقة متناهية.

كما تم دمج عائلة صواريخ “ألتيرا” الموجهة في سلاح الجو، وهي صواريخ جو-أرض محلية الصنع تمنح المقاتلات الخليجية قدرة تدميرية جراحية للأهداف الإيرانية دون الحاجة للاعتماد الكلي على المخزونات المستوردة.

وكل هذه الترسانة المحلية لا تمثل فقط تفوقا تقنيا، بل هي “صمام أمان” اقتصادي يضمن استدامة الدفاع الخليجي في مواجهة أي استنزاف إيراني طويل الأمد، محولة مفهوم الدفاع من عبء مالي إلى محرك للابتكار الصناعي الوطني.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق