بعد صدور قرار مجلس الأمن الأخير 2797 حول الصحراء المغربية، بدا واضحا أن الجزائر دخلت مرحلة ربكة سياسية غير مسبوقة، فالنظام الذي اعتاد إظهار تماسك صلب تجاه الأزمات الخارجية، وجد نفسه فجأة أمام واقع لا يمكن إنكاره: هزيمة دبلوماسية صريحة أطاحت بروايته التاريخية حول النزاع، وعزلة إقليمية تزداد عمقًا، وتوتر اجتماعي يتصاعد في الداخل مع مشهد اقتصادي ينهار أمام أعين الجميع.
ولعلّ البيان الأخير لمجلس الوزراء الجزائري الذي انعقد يوم الأحد برئاسة الرئيس الجزائري، بما حمله من كثافة غير معهودة ووعود متناسلة، لم يكن سوى مرآة لقلق السلطة في لحظة حرجة. فبدل أن يبدو نصا صاعدا من مجلس وزراء قوي، جاء أشبه بمحاولة لتجميل أزمة ممتدة، ومحاولة لإقناع الداخل والخارج بأن الدولة ما تزال تتحكم في زمام الأمور، رغم أن الوقائع اليومية تقول شيئا آخر تماما.
ومنذ صدور القرار الأممي، وُضع النظام في مأزق وجودي. لقد رسّخ مجلس الأمن خيار الحكم الذاتي حلّا واقعيا للنزاع تحت السيادة المغربية، موجّهًا ضربة موجعة لأطروحة “الاستفتاء” التي بنت عليها الجزائر عقودا من خطابها الخارجي.
والأنكى بالنسبة للسلطة الجزائرية أن القرار حمل اعترافا صريحا بدور المغرب المتزايد في الاستقرار الإقليمي، مقابل تراجع وزن الجارة الشرقية في الاتحاد الإفريقي والساحل، وهو تراجع تعزّز مع توالي الخلافات مع دول عربية وإفريقية مركزية.
هذا الارتداد الخارجي تزامن مع انهيار داخلي لا يقل خطورة. فالجزائريون يواجهون اليوم نقصا حادا ومتكررا في المواد الغذائية الأساسية، من الحليب إلى الخضروات مرورا بالخبز والبطاطس، في بلد يُفترض أن يكون من أكبر المنتجين في المنطقة.
الأسواق الجزائرية اضحت تعيش اضطرابا يوميا، والقدرة الشرائية في حالة سقوط حر، والتضخم يقضم ما تبقى من مدخرات الأسر. وفي الوقت الذي تتحدث فيه السلطة عن مشاريع سكك حديدية عملاقة ومناجم قادمة، يضطر المواطن للوقوف في طوابير طويلة للحصول على كيس حليب أو كيس بطاطا.
هذه المفارقة بين خطاب الدولة وواقع الشارع ما يجعل القرارات الأخيرة تبدو أقرب إلى محاولة يائسة لشراء الوقت، فالسلطة أعلنت عن رفع الحد الأدنى للأجور وزيادة منحة البطالة، لكنها تعلم أن هذه التدابير لا تعالج جوهر المشكلة: التدهور البنيوي للاقتصاد، وتآكل الإنتاج المحلي، واستمرار اعتماد البلاد على الريع في ظل تراجع أسعار الطاقة.
أما المشاريع العملاقة التي تتصدر البيانات الرسمية، مثل استغلال غار جبيلات أو خط السكة الحديدية نحو الجنوب، فتبدو في نظر كثيرين مجرد ديكور سياسي لإقناع الرأي العام بأن الجزائر مقبلة على مرحلة ازدهار، رغم أن هذه المشاريع نفسها أُعلن عنها مرارا على مدى نصف قرن ولم تر النور إلا في الخطابات.
إلى جانب الأزمة الاقتصادية، تبدو السلطة في مواجهة جيل جديد لا تنفع معه أدبيات الماضي. فالشباب الجزائري، الذي يشكّل الأغلبية السكانية، لم يعد مستعدًا لابتلاع روايات “المؤامرة الخارجية” أو الانشغال الدائم بملف الصحراء. هذا الجيل يرى المقارنة مباشرة بين بلاده وجارته الغربية، حيث تشهد البنية التحتية المغربية نموا مذهلا في الطرق والسكك والموانئ والصناعة، مقارنة بالواقع الجزائري المعلّق منذ عقود بين الوعود الكبرى والإنجازات الصغيرة. وفي زمن شبكات التواصل الاجتماعي، يكفي فيديو واحد من الرباط أو طنجة ليُسقط أسطورة “الريادة الجزائرية” التي لا تزال السلطة تكررها رغم انفصالها عن الواقع.
في هذا السياق، جاء الإفراج المفاجئ عن الناشط بوعلام صلصال من جهة بمثابة إقرار ضمني بأن الدولة فقدت ثقتها في قدرتها على ضبط الرأي العام. فالرجل لم يكن سوى صوت من أصوات كثيرة تشير إلى حقائق تاريخية يعرفها الجميع: الحدود التي رسمتها فرنسا، والمناطق المغربية التي ضُمّت للجزائر عند الاستقلال. حيث إن السلطة، التي تُدرك خطورة الموضوع على روايتها الرسمية، اختارت إغلاق الملف سريعا مخافة تحوله إلى كرة ثلج سياسية.
ومن جانب آخر، جاءت القضية التي حاولت الرئاسة تقديمها في ثوب “خطوة إنسانية”، بينما هي في الحقيقة مخرج ألماني–جزائري بتفاهمات فرنسية لاحتواء ورطة سياسية أصبحت تهدد علاقة الجزائر بباريس. بحيث إن الإفراج عن صلصال ليس مبادرة إنسانية، بل جزء من محاولة واضحة لفتح قنوات الترميم مع فرنسا بعد أشهر من القطيعة الصامتة التي هزت أركان النظام العسكري وأفشلت مخططاته اليائسة.
ومع ذلك، فإن أخطر ما تواجهه الجزائر اليوم ليس نقص الحليب ولا الخبز، ولا حتى الارتباك الدبلوماسي، بل فقدان الثقة بين المجتمع والدولة. فقد أصبح المواطن الجزائري محاصرا بين خطاب طموح لا يتحقق منه شيء، وواقع اقتصادي يتدهور بسرعة مقلقة، ومشهد سياسي مغلق بالكامل. وفي ظل هذا الانفصال، تبدو إجراءات التهدئة التي أعلنتها الرئاسة محاولة لتسكين الألم، لا لمعالجة المرض.
لقد أدخل قرار مجلس الأمن الجزائر في لحظة مواجهة مع ذاتها، ولم يعد بالإمكان إلقاء اللوم على الخارج، ولا الاستمرار في استدعاء الماضي لتبرير إخفاقات الحاضر، فقد تبيّن أن أزمة الجزائر ليست أزمة موارد، بل أزمة رؤية وقيادة، وأن التحديات التي تواجهها الدولة تتطلب أكثر من بيانات حكومية وحملات إعلامية.
تحتاج الجزائر اليوم إلى عقد سياسي جديد، إلى انفتاح فعلي، وإلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، قبل أن تجد نفسها أمام واقع أشد قسوة.
فالمنطقة تتغير، والمغرب يتقدم بخطوات واسعة، والعالم يعيد ترتيب موازينه، بينما الجزائر تبدو وكأنها لا تزال تتشبث بمرحلة انتهت، وإذا لم تغيّر السلطة مسارها جذريًا، فإن القرارات التي أعلنتها بعد قرار مجلس الأمن لن تكون سوى استراحة قصيرة على طريق أزمة طويلة بدأت ملامحها تظهر في الأسواق قبل المؤسسات، وفي طوابير الخبز قبل الصحف، وفي وجوه الشباب قبل بيانات الرئاسة.
هذا هو الواقع الذي تحاول الخطابات الرسمية إخفاءه، لكنه واقع يفرض نفسه، ويضع الجزائر أمام سؤال واحد لا مهرب منه: هل ما يزال بالإمكان إنقاذ الدولة قبل أن يصبح التغيير فرضا لا خيارا؟
