يشهد مضيق هرمز في الأسابيع الأخيرة تصاعدا في التوترات الجيوسياسية، بسبب الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران ولجوء الأخيرة إلى ورقة إغلاق المعبر والتهديد بإستهداف وإغراق السفن التي تقرر العبور، وهو القرار الذي يضع أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم تحت دائرة المخاطر.
فالمضيق الذي يربط الخليج العربي بالمحيط الهندي يمثل شريانا رئيسيا لحركة التجارة الطاقية العالمية، حيث تمر عبره كميات ضخمة من النفط والغاز يوميا نحو الأسواق الدولية، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة البحرية داخله عاملا مؤثرًا بشكل مباشر على استقرار أسواق الطاقة العالمية.
وتتجاوز أهمية هذا الممر البحري البعد الإقليمي، ليصبح عنصرا محوريا في توازنات الاقتصاد العالمي، خصوصا في ظل هشاشة سلاسل الإمداد الدولية وارتفاع حساسية الأسواق لأي تطور جيوسياسي قد يمس تدفقات الطاقة، حيث أنه بمجرد التلويح بتعطيل الملاحة أو تسجيل اضطرابات أمنية في المضيق ينعكس سريعا على أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية، وهو ما يعيد طرح تساؤلات حول انعكاسات هذه التطورات على الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، ومن بينها الاقتصاد المغربي.
وفي هذا السياق، قال إدريس الفينة، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المستقل للدراسات الاستشرافية، في تصريح خص به “الصحيفة”، إن الاضطرابات التي يعرفها مضيق هرمز في الأسابيع الأخيرة ليست مجرد حدث إقليمي محدود، بل تمثل صدمة جيو- اقتصادية عالمية، بالنظر إلى أن هذا المضيق يمر عبره ما يقارب 20 في المائة من تجارة النفط العالمية، إضافة إلى جزء مهم من تجارة الغاز والمنتجات الطاقية. لذلك فإن أي تعطيل جزئي أو كلي لحركة الملاحة فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة في الأسواق الدولية.
وأوضح الفينة أن التأثير بالنسبة للمغرب يأتي أساسا عبر قناة الأسعار العالمية للطاقة، مبرزا أن المملكة تستورد أكثر من 90 في المائة من حاجياتها الطاقية، وهو ما يجعل أي ارتفاع في أسعار النفط أو الغاز في السوق الدولية ينتقل بشكل شبه مباشر إلى الاقتصاد الوطني، سواء عبر أسعار الوقود أو من خلال تكاليف الإنتاج والنقل.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أنه خلال الأيام الأخيرة، ومع تصاعد التوتر في منطقة الخليج، ارتفع سعر برميل النفط في الأسواق الدولية ليقترب من مستوى 100 دولار للبرميل، بعد أن كان في حدود 60 دولارًا قبل أشهر قليلة. وإذا استمر هذا الاتجاه التصاعدي، فإن المغرب قد يواجه ضغطًا إضافيًا على فاتورة الطاقة وعلى ميزان الأداءات.
أما فيما يتعلق بصناعة الفوسفاط والأسمدة، فيوضح الفينة أن الصورة تبدو أكثر تعقيدا، إذ تعتمد هذه الصناعة بشكل كبير على الكبريت والأمونياك والغاز، وهي مواد ترتبط بشكل مباشر بسوق الطاقة العالمية، ما يعني أن ارتفاع أسعار الطاقة يرفع تلقائيًا كلفة الإنتاج داخل هذا القطاع.
لكن في المقابل، يضيف المتحدث، فإن ارتفاع أسعار الطاقة غالبًا ما يؤدي أيضًا إلى ارتفاع أسعار الأسمدة في الأسواق الدولية، وهو ما قد يخفف جزئيًا من أثر ارتفاع التكاليف على مداخيل القطاع. وبمعنى آخر، فإن قطاع الفوسفاط المغربي قد يواجه ارتفاعًا في كلفة المدخلات الطاقية، لكنه قد يستفيد في الوقت ذاته من ارتفاع أسعار الأسمدة عالميًا، خاصة في ظل اضطراب سلاسل الإمداد الدولية.
وبخصوص أسعار الوقود داخل السوق المغربية، يؤكد الفينة أن تطورها يظل مرتبطًا أساسًا بمسار الأسعار في السوق الدولية. فإذا استقر النفط فوق مستوى يتراوح بين 90 و100 دولار للبرميل، فمن المرجح أن تشهد أسعار المحروقات في المغرب ارتفاعًا تدريجيًا خلال الأسابيع المقبلة، خصوصًا في ظل نظام تحرير الأسعار المعمول به في السوق الوطنية.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن هذا الارتفاع المحتمل قد ينعكس بدوره على القدرة الشرائية للمواطنين، عبر زيادة تكاليف النقل وبعض المواد الغذائية والخدمات، نظرًا إلى أن الطاقة تدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في معظم سلاسل الإنتاج والتوزيع داخل الاقتصاد.
ورغم هذه التحديات، يرى الفينة أن الاقتصاد المغربي أصبح اليوم أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بسنوات سابقة، وذلك بفضل تنوع مصادر التوريد الطاقي، ووجود احتياطات استراتيجية، إضافة إلى تسارع الاستثمارات في مجال الطاقات المتجددة، التي بدأت تشكل عنصرًا مهمًا في مزيج الطاقة الوطني.
وفي تقديره لتطورات المرحلة المقبلة، يطرح الخبير الاقتصادي ثلاثة سيناريوهات محتملة في حال استمرار التوترات في مضيق هرمز. ويتمثل السيناريو الأول في ما يمكن وصفه بسيناريو التوتر القصير، حيث يتم احتواء الأزمة خلال أسابيع أو أشهر قليلة، وهو ما يعني أن التأثير سيكون محدودا ومؤقتا، وقد يقتصر أساسا على ارتفاع ظرفي في أسعار الطاقة وبعض الضغوط التضخمية العابرة.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في سيناريو التوتر المتوسط، حيث قد تستمر الاضطرابات لعدة أشهر مع بقاء جزء من الإمدادات معطلا، حيث أنه في هذه الحالة قد ترتفع فاتورة الطاقة بالنسبة للمغرب بشكل ملحوظ، كما قد يواجه الاقتصاد الوطني ضغوطًا تضخمية أكبر، خصوصًا في قطاع النقل والمواد الغذائية.
في حين يبقى السيناريو الثالث هو الأكثر تعقيدا، ويتمثل في احتمال استمرار تعطيل الملاحة في المضيق لفترة طويلة، وهو وضع قد يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط عالميا، ماقد يجعل الاقتصاد المغربي يواجه تحديات أكبر على مستوى الميزان التجاري والقدرة الشرائية، لكنه قد يشكل في المقابل عاملا محفزا لتسريع انتقال المملكة نحو تعزيز استقلالها الطاقي، من خلال توسيع الاستثمار في الطاقات المتجددة وتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر.
