على خلاف الاضطرابات المناخية والمائية التي يشهدها شمال المغرب، تعيش واحات الجنوب الشرقي وضعًا مقلقًا يتمثل في ندرة حادة للموارد المائية، نتيجة التأخر المسجّل في إطلاق الحصة المائية المخصصة لها مع بداية كل موسم فلاحي. وتُفرَج هذه الحصة اعتياديا من مخزون سد المنصور الذهبي الواقع بمدينة ورزازات، بهدف إنعاش الزراعات الواحية، ولا سيما زراعة النخيل وإنتاج التمور، بحقول زاكورة وأكدز وامحاميد الغزلان.
وتقع مسؤولية التأخر في إطلاق هذه الحصص المائية المهمة على عاتق وكالة الحوض المائي درعة واد نون، التي تدير سد المنصور الذهبي، والتي حاولنا الاتصال بها من أجل توضيح أسباب هذا الوضع غير الاعتيادي، إلا أن الهاتف الثابت للوكالة ظلَّ يرن لمرات عديدة دون أن نتلقى جواباً.
وتعيش واحات الجنوب الشرقي، المعروفة بتزويد جزء مهم من الأسواق الوطنية بمختلف أصناف التمور، على وقع أوضاع استثنائية منذ سنوات، بفعل التراجع الحاد في الحصص المائية المخصصة لها وتفاقم مظاهر الجفاف. وقد انعكست هذه الظروف سلباً على عمليات الحرث والسقي، ما أدى إلى تراجع ملحوظ في الإنتاج وتسبب في نفوق آلاف أشجار النخيل.
أقشباب جمال، رئيس جمعية أصدقاء البيئة بإقليم زاكورة، قال إن الفلاحين يعيشون بمختلف واحات إقليم زاكورة (واحة مزغيطة وواحة تنزولين وواحات ترناتة وواحة فزواطة وواحة الكتاوة، إضافة إلى واحة المحاميد الغزلان)، حالة من الاستياء والتذمر بسبب تأخر طلقة سد أحمد المنصور الذهبي المعتادة من أجل إنعاش نشاطهم الفلاحي المبني على زراعة النخيل وإنتاج التمور”.
وأضاف أقشباب، في تصريح لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن “هذه الطلقة تتم اعتياديا عند بداية الموسم الفلاحي”، مبرزاً أن الفلاحين والمجتمع المدني يتساءلون عن الأسباب الحقيقية التي دفعت الجهات الوصية على قطاعي الماء والفلاحة إلى تأخير وتأجيل هذه الطلقة المهمة والأساسية إلى حدود اليوم”.
وأوضح الفاعل البيئي المحلي بمنطقة زاكورة أن هذه التساؤلات تأتي في سياق تعرف فيه حقينة سد أحمد المنصور الذهبي، الواقع جنوب مدينة ورزازات، على مسافة 20 كيلومترًا، ارتفاعًا مهمًا، حيث بلغت حسب آخر الأرقام الرسمية الصادرة عن وكالة الحوض المائي درعة واد نون حوالي 34 في المئة من سعته.
وأوضح الناشط البيئي والمهتم بالشأن الإيكولوجي بمنطقة زاكورة أنه “من المعروف أن الدور الاستراتيجي الأساسي لسد أحمد المنصور الذهبي يتمثل في سقي حوالي 26 ألف هكتاراً من واحات درعة، من أجل سقي النخيل، وكذا الزراعات المعيشية التي تشكل القوت اليومي لهؤلاء الفلاحين وأسرهم”.
وسجل المصدر عينه أن “الكل، اليوم، ينتظر ويتساءل عن الأسباب التي جعلت المسؤولين عن سد المنصور الذهبي يؤجلون أو يؤخرون هذه الطلقة”، مبرزاً أن “الفلاحين أو فعاليات المجتمع المدني يطالبون من جميع الجهات المعنية، وعلى رأسها المكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بورزازات ووكالة الحوض المائي درعة واد نون وكذا وزير الماء بضرورة التدخل العاجل من أجل إنجاز هذه الطلقة في أقرب وقت ممكن قبل فوات الأوان”.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن “هذه الطلقة تشكل مرحلة مهمة بالنسبة لفلاحي الواحات من خلال تأثيرها على عملية الحرث وسقي النخيل في هذه الفترة التي يكون فيها في حاجة إلى موارد مائية مهمة لضمان استمرار إنتاجيته للتمور”، مبرزاً أن “المسؤولية اليوم على عاتق وكالة الحوض المائي درعة واد نون والمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي بورزازات”.
وحذر الفاعل البيئي من “سيناريو مأساوي” يهدد صمود واحات النخيل بالجنوب الشرقي، وخصوصاً منطقتا زاكورة و امحاميد الغزلان، مشددا على أن “مئات أشجار النخيل ماتت بفعل الجفاف ونقص الموارد المائية، ما يبرز أهمية هذه الطلقة المائية المتأخرة في ضمان استمرار نشاط الفلاحين بالمنطقة وعدم هجرتهم لمناطق أخرى”.
وذَكَّر أقشباب بأن “الواحات تعيش اليوم أزمة خانقة. حيث تحولت بفعل التغيرات المناخية المرتبطة بالجفاف وارتفاع درجات الحرارة إلى أطلال ومقابر، ولم يبقَ منها إلا القليل، وهذا القليل بدوره ينتظر من ينقذه عبر هذه الطلقة المائية”.
