يتشكّل صمت الجنرالات في الجزائر هذه الأيام كرسالة سياسية بحد ذاتها، فغياب رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق سعيد شنقريحة، عن عدد من الأنشطة الرسمية خلال الأسابيع الأخيرة تحوّل إلى حدث سياسي كبير يغذي موجة واسعة من التساؤلات داخل الدوائر السياسية والدبلوماسية والأمنية، في بلد تقوم معادلة الحكم فيه منذ سنوات على التوازن الدقيق بين الرئاسة والمؤسسة العسكرية.
وبينما يواصل الرئيس عبد المجيد تبون الإمساك بمقاليد السلطة التنفيذية، يُجمع كثير من المراقبين على أنّ شرعية حكمه وفاعليته السياسية ظلتا منذ البداية مرتبطتين بشكل وثيق بالغطاء الذي تمنحه المؤسسة العسكرية.
مصادر مقرّبة من مواقع القرار تحدثت لـ “ساحل انتلجنس” عن احتمال وجود “خلافات استراتيجية” بين الرئاسة والقيادة العسكرية العليا، تحديدا بين الرئيس عبد المجيد تبون ومدير ديوانه بو علام بوعلام من جهة، وبين الدوائر المؤثرة داخل قيادة الجيش من جهة أخرى، وهذه القراءة تجد صداها داخل بعض دوائر السلطة التي ترى أن “اختفاء” رئيس الأركان، السعيد شنقريحة، مؤقتا عن المشهد العام ليس مجرد صدفة، بل تعبير عن حالة إعادة تموضع داخلية أو اختلافات في تقدير المرحلة.
في مقابل هذا الطرح، يذهب آخرون إلى تفسير أكثر برودا لكنه لا يقل حساسية باعتباره انسحاب تكتيكي محسوب، يراد منه تقليص الحضور السياسي المباشر للمؤسسة العسكرية في الواجهة في ظرف اجتماعي داخلي بالغ الهشاشة، والتوتر وفي سياق دولي فرضته التطورات الجيوسياسية وتحركات الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب ضد الأنظمة السلطوية، وهي معادلات تجعل أي ظهور مفرط للجيش في المشهد السياسي محاطا بالحساسية ومحسوب المخاطر.
المعطيات الميدانية تضيف وزنا لهذه القراءات، فالفريق سعيد شنقريحة، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أعمدة المنظومة الأمنية، وفاعلا محوريا ضمن من يُعتبرون من “أصحاب السلطة الحقيقية” في البلاد، غاب بشكل لافت عن الاحتفالات الوطنية وعن اجتماعات موسعة لمجالس الأمن، وهي مناسبات كان حضوره فيها خلال السنوات الماضية شبه ثابت إلى جانب رئيس الجمهورية، وهذا التغيّر في البروتوكول غير المكتوب أطلق العنان لسلسلة من القراءات المتباينة داخل الجزائر وخارجها.
دبلوماسيون وفاعلون سياسيون يتعاملون مع هذا الغياب كإشارة لا ينبغي الاستهانة بها في نظام يقوم توازنه الدقيق على توافق ضمني بين المدنيين والعسكريين، وبالتالي تتحول كل إشارة مهما كانت رمزية منها إلى دلالة سياسية، وهنا، فإن الرصد الدقيق لكل حركة أو غياب داخل هرم الدولة أصبح جزءا من قراءة اتجاهات السلطة.
داخل أجهزة الاستخبارات، الصورة تبدو أكثر تعقيدا، فهناك من يتعامل مع الأمر كحلقة عادية من حلقات إعادة ترتيب البيت الداخلي، وهي ممارسة ليست جديدة على الأنظمة القائمة على شبكات القوة المتعددة، غير أن أصواتا أخرى داخل الأوساط الاستخباراتية لا تستبعد وجود توترات أعمق تتجاوز حدود الخلاف الظرفي أو إعادة توزيع الأدوار، وقد تنعكس إن تأكدت على مسار السلطة السياسية خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة.
وسط هذا الغموض، يظل الصمت هو العنوان العريض فلا بيانات رسمية، ولا توضيحات مباشرة ولا حضور علني لرجل كان حضوره اليومي جزءا من مشهد السلطة وغياب المعطيات الرسمية يترك الباب مشرعا أمام التأويلات بل ويكرّس فرضية راسخة في الذهنية السياسية الجزائرية مفادها أن الصمت العسكري كثيرا ما يكون أكثر بلاغة من الخطب الرسمية.
بعض التحليلات تتجه أيضا إلى أن هذا “الغياب” قد يكون منظما ومقصودا لتقليص الحضور السياسي العلني للجيش في لحظة تبدو فيها قطاعات واسعة من الرأي العام مرهقة من النفوذ العسكري داخل الحياة المدنية، فالمزاج الاجتماعي الذي تراكمت داخله خيبات اقتصادية واجتماعية ينظر بحساسية بالغة إلى أي مظاهر تشير إلى تغوّل المؤسسة العسكرية على القرار المدني.
وتقول مصادر سياسيّة وأمنية مقرّبة من دوائر صناعة القرار في الجزائر إنّ جزءا من التعقيد الحالي داخل هرم السلطة يرتبط بما يُوصف داخليا بـ”الوضع الصحي الحرج” لرئيس أركان الجيش الفريق سعيد شنقريحة، إذ تؤكد هذه المصادر أن الرجل يعيش مرحلة صحية صعبة يُعتقد أنها مرتبطة بإصابته بمرض خبيث في مرحلة متقدمة، ما جعل حضوره الميداني والسياسي يتراجع بشكل ملحوظ في الأشهر الأخيرة.
وبحسب هذه القراءات، فإن هذا المعطى الصحي تحوّل إلى عامل مؤثر في توازن القوة داخل الدولة، إذ تضيف المصادر ذاتها أن ما يجري اليوم جزء من صراع أفكار وتوجهات داخل بنية الحكم.
فوفق هذه الروايات، توجد قناعة متنامية داخل بعض الدوائر المؤثرة في السلطة بأن الاستمرار في النهج الحالي، القائم على التصعيد السياسي وتوتير العلاقات مع محيط الجزائر لم يعد ممكنا لا على مستوى الدولة ولا على مستوى المؤسسة العسكرية نفسها، ويُنظر تحديدا إلى السياسات المتشددة تجاه المغرب، وتوتر العلاقات الحاد مع فرنسا، والاندفاع في ملفات الساحل الإفريقي، بوصفها “خيارات مكلفة” لم تعد مؤسسات الدولة قادرة على تحمل تبعاتها الاستراتيجية والاقتصادية والدبلوماسية.
وتشير هذه المصادر إلى أن “الجيل الجديد” داخل السلطة، سواء داخل بعض الأوساط العسكرية أو السياسية، لم يعد مقتنعا بمنطق إدارة الدولة عبر التصعيد الدائم وسياسة القبضة الحديدية خاصة في ظل ظرف اجتماعي داخلي هش وتحديات اقتصادية ثقيلة وسياق إقليمي بالغ التعقيد.
هذا التيار يرى أن استمرار الدولة لا يمكن أن يظل رهين المواجهة المفتوحة مع المحيط، وأن الجزائر بحاجة إلى مقاربة مختلفة أقل حدة وأكثر براغماتية إذ يرى محدّثونا أن جزءا من هذا الصراع يرتبط أيضا بطبيعة العلاقة بين الرئيس عبد المجيد تبون والفريق سعيد شنقريحة، حيث أصبحت طريقة إدارة الدولة مثار نقاش داخلي عميق.
فبين قراءة ترى ضرورة الاستمرار في الخط المتشدد باعتباره ضمانة لهيبة النظام، وقراءة أخرى ترى أن هذا النهج أصبح “انتحارا سياسيا” للدولة على المدى المتوسط، يتبلور داخل السلطة صراع صامت لكنه دلالي، تدفع إليه وفق المصادر نفسها الحالة الصحية لشنقريحة وعدم قدرته على إدارة ملفات بهذا الحجم إلى جانب رغبة أطراف أخرى في إعادة تعريف ميزان القوة داخل النظام.
وبين هذه التأويلات، تذهب بعض الأصوات داخل الحكم إلى اعتبار أن هذا الصراع ليس مجرد صراع أشخاص بقدر ما هو صراع تصورات وإيديولوجيات حول مستقبل الدولة الجزائرية، وحول حدود حضور الجيش في القرار السياسي وحول شكل التموضع الإقليمي للجزائر في لحظة شديدة الحساسية وفي ظل غياب أي توضيح رسمي، يبقى هذا النقاش الداخلي مفتوحا داخل أروقة السلطة، فيما تتحول الإشارات غير المعلنة، الصحية والسياسية معا إلى عناصر قراءة أساسية لفهم المرحلة المقبلة في الجزائر.
