في حوار مطول مع المخرج المغربي نور الدين الخماري، كشف الأخير عن رؤيته العميقة للسينما المغربية وعلاقته الشخصية بفنه، مؤكدًا أن أعماله ليست مجرد أفلام للترفيه، بل مرآة تعكس الواقع الاجتماعي للمجتمع المغربي بكل تحدياته ومفارقاته.
وأوضح الخماري أن أفلامه لا تهدف لجذب الجمهور من خلال الإثارة أو المحتوى الإباحي، بل لتقديم سرد واقعي يعكس الشارع المغربي، من العنف والفقر إلى الجهل والطفولة الضائعة.
وقال في حوار مع جريدة “مدار21” الإلكترونية: «أنا لا أصنع أفلامًا إباحية من أجل جذب الجمهور، بل الواقع الذي أقدمه في أفلامي أصدق من الواقع نفسه»، مضبفا أن ردود الفعل الغاضبة تجاه فيلمه “كازانيغرا” لم تكن مفهومة بالنسبة له، لكنه لاحظ أن المجتمع يقبل أن يقوم الأجنبي بسرد هذه القصص، بينما إذا قام بها مخرج مغربي، تُثار الانتقادات.
وعاد الخماري للحديث عن طفولته في مدينة آسفي، مشيرًا إلى أثر والدته في تشكيل شخصيته: «كانت امرأة ذات قلب كبير، تقول لي دائمًا، اهتم بالناس وكن كريمًا معهم، ولا تكن بخيلًا»، لافتا إلى أن تلك القيم التي ترسخت في وعيه انعكست في أعماله الفنية، إذ يسعى دائمًا لتقديم أفلام تعكس روح العطاء والمشاركة الإنسانية.
ويؤكد أن تجربته في الخارج، سواء في فرنسا أو النرويج، كانت حجر أساس لمسيرته الفنية، فقد درس في فرنسا الصيدلة قبل أن يكتشف شغفه بالسينما في النرويج، حيث بدأت رحلته مع الأفلام القصيرة التي أهّلته لدخول أكاديمية السينما.
وأكد الخماري في حديثه للجريدة أن أول فيلم طويل أخرجه، بعنوان “bref note”، كان نقطة تحول، إذ أتاح له التعرف على كيفية تعامل الجمهور والمهرجانات مع أعماله، ليضع بذلك أسس رؤيته السينمائية في المغرب.
وعن عودته إلى المغرب، قال الخماري: «عندما أخرجت أول فيلم لي في المغرب بعنوان “نظرة”، شاهدت كيف تعامل الناس والمجتمع مع الفيلم، وفهمت أن هذا هو دوري في السينما».
وأضاف أن الأعمال الفنية بالنسبة له ليست مجرد إنتاج سينمائي، بل وسيلة لتوثيق الواقع، وإعادة سرد قصص الشارع والمدينة لتشكل مرجعًا للأجيال المقبلة: «أهم شيء بالنسبة لي أن يترك العمل أثرًا، وأن ترى الأجيال القادمة واقعنا كما هو، وليس كما يتخيلونه».
وأكد المخرج المغربي أن النقد جزء من عملية الفن، وأن الانتقادات الحادة تجاه أعماله تأتي غالبًا من أشخاص لم يصالحوا أنفسهم أو لم يحظوا بالحب الذي يحتاجونه، قائلا: «العنف والسب والانتقاد يأتي من أشخاص لديهم صدمات ومشاكل، وأحاول أن أفهم ذلك… كفنان، ليس لي الحق في الحكم، بل علي أن أفهم».
وتناول الخماري طبيعة الفن بالنسبة له، مؤكدًا أن الفنان الحقيقي لا يستطيع العيش بلا فن: «الفن يخرج من الداخل كأنه تسونامي، والفنان يجد دائمًا وسيلة للتعبير، سواء كان فيلمًا أو موسيقى أو كتابًا».
وأردف أن الفنان هو المحرك الأساسي للمجتمع، يفتح أبوابًا للحوار حول ما لا نتحدث عنه، ويتيح للجمهور فرصة الانفتاح على التجربة الإنسانية: «الفن يريح الناس، يجعلهم يتنفسون ويشعرون بالراحة. الفن بالنسبة لي هو روح الحياة».
وأشار الخماري إلى أن السينما المغربية تواجه تحديات في قبول الواقع الحقيقي، خاصة عند تصوير قصص الشارع باللهجة الدارجة: «شخصيات أفلامي لا يمكنها الحديث بالعربية الفصحى، واللغة الواقعية أحيانًا يصعب تقبلها على البعض، لكن هذا جزء من الصدق السينمائي».
وأوضح أن المهم هو أن يقدم المخرج رواية حقيقية وواقعية تعكس المجتمع المغربي بكل تعقيداته، بعيدًا عن تصويره في قالب مثالي أو سياحي فقط.
وختم نور الدين الخماري حديثه بالتأكيد على استقلالية الفن ورسالته الاجتماعية: «يمكن للأجنبي أن يتحدث عن الحب أو المشاكل الاقتصادية، ولا أحد يمانع، لكن إذا قام مغربي بسرد نفس القصة، غالبًا ما يُنتقد..لقد حان الوقت لنروي قصصنا بحرية، فالمغرب دولة كبيرة وتاريخها عريق، وقصصنا يجب أن تُروى كما هي».
