حين يقترب الأجل الدستوري تعود المأمورية الثالثة إلى الواجهة

adminمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
حين يقترب الأجل الدستوري تعود المأمورية الثالثة إلى الواجهة


في كل مرة يقترب فيها الحكم السياسي في موريتانيا من نهاياته الدستورية؛ تستيقظ الأسئلة الكبرى حول السلطة والشرعية والاستمرارية.

ففي الماضي القريب تحوّل الحديث عن المأمورية الثالثة للرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز إلى مرآة عكست قلق المرحلة وكشفت حساسية العلاقة بين النص الدستوري وإرادة الفاعلين السياسيين، وبين منطق التداول ومتطلبات الاستقرار، في سياق اتسم بتجاذبات حادة واصطفافات واضحة ومبادرات سياسية مازال قادتها في المشهد السياسي.

واليوم في عهد الرئيس الحالي محمد ولد الشيخ الغزواني يعود النقاش نفسه ولكن بملامح مختلفة، حيث يتقدّم بنسق هادئ وتحت عناوين سياسية أقل صدامية؛ غير أنه لا يقل عمقًا من حيث الدلالات بل ويتشابه في بعض جزئياته مع بدايات إرهاصات الحديث عن مأمورية ثالثة لولد عبد العزيز.

فالتجربة الحالية تُقرأ باعتبارها اختبارًا جديدًا لمدى ترسخ الثقافة الدستورية ولقدرة النظام السياسي على الفصل بين الإنجاز السياسي وحدود الزمن الدستوري، وسط ترقب داخلي لمسار الخيارات المقبلة، وما إذا كان الجدل القائم سيظل في حدود التأمل السياسي، أم سيتحول إلى سؤال حاسم حول مستقبل التداول السلمي على السلطة.

سيبقى كل ذلك مجرد تكهنات سياسية تحلل في الغالب انطلاقا من معطيات كثيرة، فبين تلميح الوزير الأول المختار ولد اجاي في آخر ظهور إعلامي له في أبوظبي، وتعهد زعامة المعارضة الديمقراطية بعدم السماح بمأمورية ثالثة؛ سيتأجل الحسم في هذا الصدد إلى ما بعد مخرجات الحوار السياسي المرتقب..

بداية البداية

البداية كانت على لسان عمدة بلدية الغبرة، اندحمودي ولد العبقري، الذي دعا خلال مهرجان الغبرة الثقافي السكان صراحة إلى تبني مطلبه للسعي نحو مأمورية ثالثة، معتبرًا أن الشعب لم يمل من حكم الرئيس الحالي وأن البلاد ما زالت بحاجة له.

لم تقتصر الدعوات على الفضاء المحلي، بل تجاوزته لتصل إلى المستوى الدبلوماسي، حيث اعتبر السفير الموريتاني في قطر، محمد ولد ببانه، أن تحديد عدد المأموريات على غرار النماذج الغربية يستدعي نقاشاً وطنياً معمقاً حول مدى ملاءمته لتحقيق التنمية والاستقرار في موريتانيا.

وأكد ولد ببانه أن مسألة المأموريات والحكامة السياسية ينبغي أن تتصدر الحوار الوطني المرتقب بوصفه فرصة لمعالجة “الاختلالات السياسية والتنموية التي رافقت التجربة الوطنية منذ الاستقلال”.

يمكن فهم هذه المطالبات في سياق رغبة بعض الفاعلين المحليين في ربط الاستقرار السياسي باستمرارية الحكم، أو الحفاظ على مشاريع التنمية الجارية، لكنها تثير تساؤلات حول حدود الطموحات السياسية مقابل الالتزام بالدستور، خصوصاً أن مثل هذا النقاش يمس جوهر التجربة الديمقراطية في البلاد.

مأمورية ولد عبد العزيز الثالثة.. دروس من الماضي

تاريخياً نفى الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز مرارًا أي نية للترشح لمأمورية ثالثة، مؤكدا احترامه للدستور الصادر في 20 يوليو 1991، الذي يحدد المأمورية بولايتين متتاليتين بموجب المادتين 26 و28، المحصنة بالمادة 99 ضد أي تعديل.

فقد صرح في مقابلة مع وسائل إعلام إسبانية عام 2016، ومقابلة لاحقة مع فرانس 24 عام 2018، أنه لم يخطط لتعديل الدستور أو الترشح لمأمورية ثالثة، وأن التزامه بالقسم أهم من أي حديث أو ضغوط خارجية.

مع ذلك أكد الرئيس الأسبق لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية سيدي محمد ولد محم، أن ولد عبد العزيز تحرك بالفعل نحو مأمورية ثالثة على الرغم من تصريحاته العلنية بالنفي.

نفي آخر للترشح..

الوزير السابق محمد عبد الله أوداعه قال في كتابه “المتهم رقم 4 “، إن الحراك الشعبي المطالب بمأمورية ثالثة لولد عبد العزيز بدأ في آخر سنة من مأموريته الثانية، يطالب بالتمسك به وترشيحه لمأمورية ثالثة.

وأضاف ولد أوداعه أن هذا الحراك تطور فيما بعد ليأخذ صيغة أكثر جدية مع تبنيه من طرف نواب الأغلبية، وتوقيع 102 من النواب، على مقترح بتعديل الدستور وفتح المأموريات حتى يتمكن ولد عبد العزيز من الترشح.

ولفت ولد أوداعه إلى أن هذا الحراك اتبع نفس الأسلوب المتبع في بعض الدول الإفريقية، والذي يتكرر غالبا كوصفة طبية لكل من أكمل من الرؤساء الأفارقة مأموريته الثانية.

وأردف ولد أوداعه أن هذا الحراك جاء رغم الاستحالة الدستورية لترشح محمد ولد عبد العزيز لمأمورية ثالثة في ظل تحصين الدستور للمواد المحددة للمأموريات الرئاسية، وعدم مساس المواد 26، 28 و99 بالتعديلات التي أدخلت عليه في 2012 و2017.

وأشار ولد أوداعه إلى أن هذه المبررات في عمقها مبررات واهية وخرافية، اتخذها أصحابها لباسا يسترون به رغبتهم في نزع الوهم، وعشق الحاكم والمحكوم على حد سواء، لنيل مآربهم الخاصة.

من الدعوة إلى الاستمرارية إلى لحظة المساءلة

في خضم الجدل الذي رافق الحديث عن المأمورية الثالثة في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، لم يظل النقاش محصورًا في دوائر النخب السياسية أو في فضاءات التأويل الدستوري؛ حيث امتد إلى المجال العام مع بروز مبادرات سياسية جهوية دعت صراحة إلى استمراره في الحكم.

وقد قُدِّمت هذه المبادرات في حينه باعتبارها تعبيرًا عن إرادة قاعدية نابعة من الداخل، تحمل في خطابها ربطًا مباشرًا بين الاستمرارية وضمان الاستقرار، وبين بقاء الرئيس ومواصلة ما وُصف بمسار الإنجاز التنموي.

تلك المبادرات التي توزعت جغرافيًا واختلفت في مسمياتها، شكّلت مظهرا لافتا في المشهد السياسي آنذاك إذ أسهمت في نقل النقاش من مستوى الفكرة إلى مستوى التعبئة الرمزية، حيث حظي أصحابها بحضور إعلامي لافت بل وكانت سببًا في لقاء جلهم بولد عبد العزيز آنذاك.

غير أن هذا الحراك الجهوي في عمقه، أثار تساؤلات أبعد من مضمون الدعوة نفسها، حيث ظهر بعض قادته في وقت لاحق في صفوف المطالبين بتشكيل لجنة برلمانية هم من ضمن أعضائها للتحقيق في عشرية ولد عبد العزيز وهو ما أفضى للحكم عليه بالسجن 15 سنة.

توفيق الرئيس رغم “مفارقة التاريخ وسخريته”

ولد أوداعه قال في حديثه عن إرهاصات المأمورية الثالثة إن الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، وفق في عدم الانجرار وراء دعاة المأمورية الثالثة، خاصة أن من بينهم من تقع عليهم مسؤولية أكبر في حماية الدستور كنواب الجمعية الوطنية الذين وقعت أغلبيتهم على (102) مقترحا لتعديل الدستور وإلغاء المواد المحصنة.

ولعل من مفارقات التاريخ وسخرية الحبكة،-يضيف ولد أوداعه – أن يقرّ هؤلاء النواب أشهرًا قليلة بعد ذلك دعم تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في تسيير شؤون البلاد خلال عشرية ولد عبد العزيز (2009–2019)، لا ناسين بل متناسين توقيعهم بحماس منقطع النظير، مقترحًا لتعديل الدستور من أجل ترشحه لمأمورية ثالثة، وذلك بنية مواصلة النهج حتى “تكتمل مسيرة البناء والنماء”، كما كان ذلك شعار الحرّاك آنذاك.

هذا التناقض بين التصريحات الرسمية والتحركات الفعلية يوضح تعقيدات المشهد السياسي الموريتاني، ويعيد إلى الذاكرة الصدام بين الطموحات السياسية الفردية والالتزام الدستوري.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق