شهد المغرب خلال شهر دجنبر الماضي فاجعتين إنسانيتين كبيرتين بكل من آسفي وفاس، أسفرتا عن وفاة نحو ستين شخصاً، قبل أن يشهد يناير الجاري فاجعة جديدة بالقصر الكبير لم تُسجّل حتى الآن أي خسائر بشرية، وذلك في سياق تميز بتساقطات مطرية غزيرة وغير معتادة في شدتها وتواترها.
ومع تكرار هذا النوع من الكوارث، عاد النقاش العمومي ليطرح بإلحاح مسألة المسؤوليات، وحدود التعامل مع الظواهر المناخية المتطرفة، ومدى جاهزية البلاد بخطط استباقية قادرة على تقليص عدد الضحايا والجرحى، بدل الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع المأساة.
في قراءة تحليلية لهذه الوقائع، يضع رشيد بوفوس، المهندس المعماري والباحث، ما حدث في سياقه الأوسع المرتبط بالتحولات المناخية التي باتت تعاني منها الكرة الأرضية برمتها، وليس المغرب وحده.
ويؤكد أن هذا الواقع الجديد يفرض على الدول، كما على المجتمعات، قدرا أعلى من الحيطة والحذر، وإعادة التفكير بشكل جذري في أنماط التهيئة العمرانية والبنيات التحتية، خصوصا في ما يتعلق بالبناء بمحاذاة الأودية وفي المجالات الطبيعية الهشة.
فالأودية، بحسب منطقه، لها مسارات تاريخية معروفة، وعندما تخرج عن مجراها الطبيعي في فترات الفيضان، فإنها تجرف كل ما يوجد في محيطها من بنايات وتربة، وتخلف خسائر بشرية ومادية جسيمة، وهو ما كان يمكن تفادي جزء كبير منه لو تم احترام طبيعة هذه المجالات ومنع التوسع العمراني العشوائي فيها.
التخطيط الاستباقي والمسؤولية المشتركة
ويرى بوفوس أن الدولة المغربية تبذل، من حيث المبدأ، مجهودات مهمة في مجال الدراسات القبلية وإنجاز البنيات التحتية الضرورية، غير أن ضغطا عمرانيا كبيرا يحد من نجاعة هذه الجهود، ويجعلها في كثير من الأحيان سباقا متأخرا مع واقع فرضه التوسع غير المنظم.
وفي هذا السياق، لا يعفي الباحث المواطن من المسؤولية، معتبرا أن اللامبالاة الفردية، سواء عبر البناء في مناطق خطرة أو تجاهل التحذيرات، تشكل عنصرا أساسيا في تفاقم المخاطر، إلى جانب مسؤولية السلطات في المراقبة والتطبيق الصارم للقانون.
ويشدد المتحدث على أهمية اعتماد خرائط دقيقة للمخاطر الطبيعية، وعلى رأسها خرائط الفيضانات، على غرار الخرائط الزلزالية التي أُنجزت بعد زلزال الحوز. فالمعرفة الدقيقة بالتضاريس، وبمسارات الأودية، وبالمناطق المعرضة دوريا للفيضانات، تعد شرطا أساسيا لأي سياسة وقائية ناجعة.
ويضرب مثالا بمناطق مثل طاطا، حيث تتكرر الفيضانات الغزيرة كل عشر أو خمس عشرة سنة، وهو معطى معروف علميا وتاريخيا، وكان ينبغي أن يترجم إلى تخطيط استباقي صارم يحد من الخسائر المتكررة.
ولا يتوقف بوفوس عند حدود التشخيص، بل يدعو إلى بلورة مخطط وطني شامل للإغاثة، يكون مبنيا على هذه الخرائط، وموزعا على مختلف السلطات المحلية، ومرفقا بإمكانات لوجستيكية وبشرية كافية للتدخل السريع.
ويرى أن الرهان لا يمكن أن ينجح دون إشراك المجتمع، خصوصا فئة الشباب، من خلال تكوين متطوعين في مجالات الإسعاف الأولي والإغاثة المدنية، بما يعزز قدرة البلاد على مواجهة كوارث قد تقع في أكثر من منطقة في الوقت نفسه، في ظل محدودية الموارد البشرية المتخصصة.
ويعتبر أن هذا النوع من التطوع ليس مجرد عمل إنساني ظرفي، بل هو تجسيد عملي لقيم المواطنة، والدفاع عن الآخر، وحماية الأرواح، إلى جانب الأبعاد التقليدية المرتبطة بالدفاع عن الوطن.
الصرامة والوقاية كركائز أساسية للحماية
وفي هذا الإطار، يدعو إلى إحداث خلايا للإغاثة الأولية في مختلف الأقاليم، خاصة تلك المعروفة بتعرضها لمخاطر طبيعية متكررة، سواء في المناطق الجبلية التي تشهد تساقطات ثلجية كثيفة، مثل أزيلال وإفران وميدلت، أو في الأقاليم الشمالية كالشاون والحسيمة وتاونات، أو في مناطق الفيضانات بالجنوب الشرقي مثل طاطا وورزازات والرشيدية.
ويعتبر المهندس المعماري والباحث أن توفر هذه الآليات، إلى جانب التخطيط المسبق، يتيح تدخلا استباقيا أكثر نجاعة، ويضمن جاهزية المستشفيات الميدانية، ووسائل الإنقاذ، وكل ما يلزم لتفادي تحول الظواهر الطبيعية إلى كوارث إنسانية.
وفي مقابل هذا التشديد على الاختلالات، لا ينكر بوفوس المجهودات التي بذلتها الدولة خلال الموسم الحالي، خصوصا في ما يتعلق بفك العزلة عن المناطق الجبلية، حيث برز تدخل وزارة التجهيز في فتح الطرق بشكل شبه يومي رغم كثافة التساقطات الثلجية.
كما توقف عند الدور اللافت للمستشفيات الميدانية، خاصة تلك التابعة للمصالح العسكرية، والتي قدمت خدمات صحية مهمة في المناطق المعزولة، معتبرا أن هذه المبادرات تعكس تحولا تدريجيا في التعاطي مع المخاطر الطبيعية، وانتقالا نحو منطق الاستباق بدل الاكتفاء برد الفعل.
غير أن هذا التحول، في نظره، يظل غير مكتمل ما لم يقترن بحزم أكبر في معالجة الأسباب البنيوية للمآسي المتكررة. فهو يرفض إرجاع ما حدث إلى منطق “القدر”، مؤكدا أن الأمر يتعلق باختلالات واضحة في التدبير. فالأودية، كما يذكر، كانت موجودة قبل الإنسان، ولها تاريخ معروف من الفيضانات، مثل وادي آسفي الذي شهد فيضانا كبيرا سنة 1927، وهو معطى كان يفترض أن يؤخذ بعين الاعتبار في التخطيط العمراني اللاحق.
ويشدد بوفوس على أن ترك الأودية تأخذ مسارها الطبيعي، وعدم سد منافذها، وعدم البناء في جنباتها، يشكل أساس الوقاية، لأن المياه عندما لا تجد منفذا طبيعيا تتحول إلى قوة مدمرة تغمر كل ما يعترض طريقها.
ومن هذا المنطلق، يدعو بوفوس إلى صرامة أكبر من طرف الدولة في مواجهة كل الممارسات التي تساهم في تعقيد الوضع، من رمي مخلفات البناء في الأودية، إلى إغلاق مجاري المياه، إلى التوسع العمراني غير القانوني بمحاذاة هذه المجالات.
ويرى أن العقوبات يجب أن تكون رادعة بما يكفي لوقف هذا النزيف، لأن كلفة التساهل لا تُقاس فقط بالخسائر المادية، بل بأرواح بشرية تُفقد في كل مرة تعود فيها الفيضانات لتذكر بأن الطبيعة لا ترحم الإهمال، وأن الوقاية، مهما كانت كلفتها، تظل أقل ثمنا من تكرار المآسي.
