ذاكرة بوعبيد (3).. حين أيّد الحسن الثاني إعفاء حكومة عبدالله إبراهيم: “أنا أيضاً اشتراكي”

adminمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
ذاكرة بوعبيد (3).. حين أيّد الحسن الثاني إعفاء حكومة عبدالله إبراهيم: “أنا أيضاً اشتراكي”

“أنا أيضا اشتراكي”. يواجه ولي العهد والملك الراحل، الحسن الثاني، القيادي الاتحادي التاريخي، عبد الرحيم بوعبيد، ساعات معدودة قبل نهاية عمر حكومة عبدالله إبراهيم، في لقاءٍ بفيلا الأمير بحي السويسي بالعاصمة الرباط. لم يكن حديث ولي العهد مع بوعبيد مجرد محادثة عابرة، بل كان جزءا من اجتماع ثنائي مطول دام أزيد من ثلاث ساعات، طبعته لغة صريحة ورسائل سياسية مباشرة وأخرى ضمنية بين الطرفين، قبيل الإعلان الرسمي، بعد يومين، عن انتهاء مهام واحدة من أشهر الحكومات في التاريخ السياسي للمغرب بعد الاستقلال.

ووثقت شهادة القيادي في الحركة الوطنية والزعيم الاتحادي، في مذكرته السياسية “شهادات وتأملات”، أهم ما جاء في الجلسة التي دعا إليها ولي العهد من أجل إخبار بوعبيد بشكل شبه رسمي بقرار الملك الراحل، محمد الخامس، وضع حد لعمر التشكيلة الحكومية التي قادها عبدالله إبراهيم، وإخطاره، في الآن ذاته، بتشكيل فريق حكومي جديد يرأسه ولي العهد، ويطلب محمد الخامس أن يتولى فيه بوعبيد حقيبة الخارجية.

وبعدما تناولت الحلقة الأولى والثانية من السلسلة الرمضانية “ذاكرة بوعبيد”، التي تنشرها جريدة “مدار21” الإلكترونية بوتيرة أسبوعية، تفاصيل مرحلتين تاريخيتين مهمتين قبل الإعلان الرسمي عن استقلال المغرب، بدأناها بإحياء شهادة بوعبيد حول تفاصيل مؤتمر “إيكس ليبان” الشهير، قبل أن ننتقل لقراءة رواية قائد الحركة الوطنية حول يوم عودة الملك الراحل محمد الخامس من المنفى يوم 16 نونبر 1955، نصل في ثالث حلقات السلسلة، إلى محطة بارزة في تَشكُّل الدولة المغربية الحديثة، والمتمثلة في مخاض تعيين وإعفاء حكومة عبدالله إبراهيم، والأحداث السياسية التي رافقتها طيلة أزيد من 15 شهراً من العمل الحكومي.

وضَمَّت تشكيلة الحكومة، التي لم يكن مخاض ولادتها بالسهل ولم تكن نهايتها السياسية بالعادية، كل من عبدالله إبراهيم رئيساً ووزيراً للشؤون الخارجية، وعبد الرحيم بوعبيد نائبا للرئيس ووزيراً للاقتصاد الوطني والمالية، والحاج محمد ابا حنيني وزيراً للعدل، وإدريس المحمدي وزيراً للداخلية، ومحمد عواد وزيراً للدفاع الوطني، والحاج عبد الكريم بنجلون وزيراً للتربية الوطنية، والتهامي عمار وزيرا لفلاحة، وعبد الرحمان بن عبد العلي وزيراً للأشغال العمومية، ومحمد المعطي بوعبيد وصياً على قطاع الشغل والشؤون الاجتماعية، ويوسف بن العباس وزيراً للصحة العمومية، ومحمد المذبوح وزيراً للبريد والتلغراف والتيلفون.

ملك مساندٌ وولي عهد معارض

من موقع الشاهد على لحظة مفصلية في تاريخ المغرب المستقل، يستعيد عبد الرحيم بوعبيد يوم العشرين (20) من شهر ماي 1960، باعتباره اليوم الذي أُعفيت فيه حكومة عبدالله إبراهيم “من دون مبرر مقبول”. ويؤكد أن التفسير الوحيد الذي سُوّق آنذاك هو أن هذه الحكومة عمّرت أكثر مما كان خصومها قد قدّروا سلفاً.

ويضيف أن الفريق الحكومي، رغم كونه ملغماً من الداخل بوزراء متواطئين مع المعارضة من قبيل يوسف بلعباس، استطاع الصمود وسط تقلبات وحيثيات متعددة، ليستمر أزيد من 15 شهراً، في سابقة قياسية مقارنة بالحكومات التي تعاقبت منذ سنة 1956.

وفي رسمه لمشهد الاصطفافات الاجتماعية والسياسية، يروي بوعبيد كيف هاجت البرجوازية المنتسبة إلى حزب الاستقلال ضد الإجراءات المتخذة في مجالات الصناعة والتجارة الخارجية والعملة والقرض. وبالموازاة، يوضح كيف تحركت برجوازية أخرى، هي برجوازية الفلاحين الكبار، وعلى رأسها الاتحاد المغربي للفلاحة، المتحالفة بدورها مع الاستقلال أو مع تيارات أخرى، إذ كان هاجسها الأساس هو امتلاك أفضل الضيعات التي كانت في حوزة المعمرين الأجانب.

ومن خلال ذاكرة التجربة، يتوقف بوعبيد عند الكيفية التي جرى بها تصوير الإصلاح الزراعي الذي تبناه المخطط الخماسي 1960-1965، فرغم اعتداله ودقته، قُدّم للرأي العام كما لو كان مشروعاً لتحويل الفلاحة المغربية إلى نموذج سوفيتي، بكل ما تحمله تلك الصورة من إيحاءات “الكولخوزات” و”السوفخوزات”.

وفي السياق نفسه، يروي بوعبيد أن هذه البرجوازية أو تلك كانت مسخرة ومستخدمة بشكل واضح من طرف الشركات الرأسمالية الفرنسية. ويشير إلى أن صحافة حزب الاستقلال، باعتبارها لسان حال البرجوازية الحضرية والقروية، لم تكن تكف عن ترديد نفس الحجج ونفس الانتقادات التي تصوغها الصحافة الفرنسية، خدمة للمصالح الرأسمالية الأجنبية. وكانت الخلاصة التي يُراد ترسيخها، كما يروي، أن البلاد تسير نحو الكارثة، وأن المغرب مقبل على نظام قريب من الشيوعية، متنكر لتقاليده الدينية والثقافية.

وفي معرض حديثه عن الفاعلين السياسيين، يوضح بوعبيد أن حزب الاستقلال، الذي لم يكن قد بلور لنفسه مذهباً بعد، كان رأس الحربة في عملية النسف هذه. أما “الحركة المسماة بالشعبية”، فيصفها بأنها لم تكن سوى خليط من الأعيان، بلا انسجام ولا أيديولوجيا، تدّعي التحدث باسم العالم القروي.

ويضيف أنه حتى البكاي، الذي كان يكنّ له شخصياً نوعاً من الاحترام لنزاهته، انجرّ إلى هذا المسار. كما يستحضر الدور الذي لعبته صحيفة “لي فار”، التي كان رضا اكديرة مديرها الظاهر، في تنظيم هذا الهجوم وتنسيقه، بينما كانت تُدار فعلياً من طرف مساعدين تقنيين فرنسيين متخصصين في السجال والتدليس والتشهير.

وعندما ينتقل بوعبيد إلى الحديث عن المؤسسة الملكية، يروي أن ولي العهد مولاي الحسن لم يكن يتردد في استعمال السلطة المرتبطة باسمه ومكانته للعمل بشكل مباشر ضد الحكومة الشرعية التي عيّنها والده. ويستحضر أنه صرّح أكثر من مرة بأنه أول معارض، وأن تصرفه كان سياسوياً من دون تحفظ. ويؤكد أن هو ومساعديه كانوا هدفاً مباشراً لكل هذه المعارضات، والعدو الذي كان يجب القضاء عليه، وهو ما تكشفه بوضوح قراءة صحافة تلك الفترة الممتدة من 1956 إلى ماي 1960.

وفي مقابل هذا المناخ المتوتر، يحرص بوعبيد على إبراز الموقف الموضوعي والرصين لمحمد الخامس. ويشير إلى أن الفرص كانت تسنح له غير ما مرة لطلب تحكيم الملك، سواء عبر لقاءات مباشرة أو خلال مجالس وزراء كان يرأسها بنفسه. وبعد عرض مختلف وجهات النظر، كان الملك، بحسب روايته، يحسم لصالح الرأي الذي كان يدافع عنه، حتى في حضور ولي العهد.

وضع أسس استقلالية الاقتصاد

وعند الانتقال إلى تقييم حصيلة العمل الحكومي، يوضح بوعبيد أن ما تحقق بين سنتي 1956 و1959 ما يزال في حاجة إلى جهد علمي وتأريخي جاد، غير أنه استدرك أن معالم الاستقلال الاقتصادي للمغرب كانت قد وُضعت فعلياً مع حلول ماي 1960، ويقصد في عهد حكومة عبدالله إبراهيم.

وفي استعراضه لما أُنجز في القطاع الصناعي، يستحضر بوعبيد إرساء قطاع عمومي يؤدي دور المحرك وقوة الدفع، عبر إنشاء المركب الكيماوي بآسفي، ومعمل الصلب والحديد بالناظور، ووحدات لتركيب وصناعة الشاحنات والجرارات، ووحدة لصناعة العجلات، ومركب للوحدات النسيجية من بينها وحدة كوفيطس بفاس، إضافة إلى إنشاء محطة تكرير النفط بالمحمدية. كما يذكر صدور ظهير منظم للبحث واستغلال باطن الأرض، وتأميم مناجم جرادة، وتأميم الشركة الشريفة للبترول، مع تكليف مكتب الدراسات والمساهمات الصناعية بالسهر على الدراسات والتنفيذ والتمويل وتكوين الأطر المغربية.

وفي ما يتصل بالقطاع التجاري، يروي بوعبيد كيف جرى تنويع الصادرات وتقليص التبعية لسوق منطقة الفرنك، عبر الانتقال من 80 إلى 40 في المئة، إلى جانب تأميم استيراد الشاي والسكر، وبدء العمل بتعريفة جمركية جديدة تتجه نحو حماية المنتوج الوطني.

أما في مجال القروض والعملة، فيستعرض بوعبيد تأميم مؤسسة الإصدار، وإنشاء بنك وطني للتنمية الاقتصادية لتمويل المشاريع الصناعية، وبنك للتجارة الخارجية لتشجيع الصادرات، والخروج من منطقة الفرنك وإحداث العملة الوطنية الجديدة، الدرهم، مشيراً إلى أن الاحتياطي من العملة الأجنبية كان يسمح بالصمود لمدة ستة أشهر سنة 1960. كما يذكر إنشاء الصندوق الوطني للإيداع والتدبير لتوجيه الادخار نحو القطاعات المنتجة.

وفي ما يخص قطاع الإنتاج الفلاحي، يوضح بوعبيد أنه تم إطلاق الإصلاح الزراعي عبر استرجاع أراضي المعمرين وأراضي الملك العقاري والحبوس، وخلق وحدات التعاون والإنتاج انطلاقاً من الأراضي الجماعية، وتطوير القطاعات المسقية بهدف الوصول إلى مليون هكتار. كما يستحضر إثبات مردودية الشمندر السكري، وإصدار ظهير يضع حداً للمضاربات العقارية بين المغاربة والأجانب في غياب ترخيص مسبق من الحكومة.

ويختتم بوعبيد شهادته بالتأكيد على أن هذه الأمثلة، وإن كانت جزئية، كانت كافية لتفسير أسباب إعفاء الحكومة. فبالنسبة للطبقة العاملة والطبقات الشعبية، كما في نظر جزء من البرجوازية المتوسطة، كانت هذه السياسات تبشر بمستقبل أفضل، وهو ما أفضى إلى انقسام اجتماعي واضح بين من جعلوا من أنفسهم ورثة للحماية، وأغلبية أدركت أن إرث الفترة الاستعمارية يجب أن يوضع في خدمة مجموع الشعب المغربي.

وهكذا، كما يروي، اندلع صراع طبقي حقيقي، سعى حزب الاستقلال إلى نفيه باعتباره شعاراً مستورداً ومناهضاً لمبادئ الإسلام، في وقت بدت فيه هذه الحكومة هي العقبة التي كان لا بد من القضاء عليها بعد أن صمدت قرابة 15 شهراً.

مواجهة صريحة بين بوعبيد وولي العهد 

في سياق هذا المناخ السياسي المتوتر، يروي عبد الرحيم بوعبيد أنه تلقى، يوم 17 أو 18 ماي، أي قبل الإعفاء الرسمي بيومين، مكالمة هاتفية من الأمير مولاي الحسن دعاه فيها إلى عشاء ثنائي، رأساً لرأس. ويستحضر أن فترة من الزمن كانت قد مرت دون لقاء بينهما، قبل أن يتوجه في الموعد المحدد إلى “فيلا” الأمير بالسويسي. هناك بدا الأمير، كما يصفه بوعبيد، منشرحاً ولبقاً وودوداً خلال اللقاء الذي دام أزيد من ثلاث ساعات.

في مستهل اللقاء، يحكي بوعبيد مما علق في ذاكرته من اللقاء، أن ولي العهد أبلغه أن الملك (محمد الخامس) قرر وضع حد لمهام الحكومة الحالية، وأن فريقاً جديداً يوجد في طور التشكيل بعد بلوغ المشاورات مراحلها النهائية، مضيفاً أنه كُلّف بإخباره رسمياً بهذا القرار.

ويقول بوعبيد إنه عبّر عن شكره على الدعوة وعلى الإخبار، غير أنه لم يُخف مفاجأته، معتبراً أن هذا الإخبار، وفق الأعراف، من اختصاص الملك بصفته رئيس الدولة، ويُوجَّه رسمياً إلى الفريق الحكومي ككل. غير أن ولي العهد أوضح، كما تؤكد ذلك شهادة بوعبيد، أن الأمر لا يعدو أن يكون إجراءً شبه رسمي، سرعان ما سيُرسم خلال أيام قليلة، قبل أن ينتقل إلى جوهر المسعى، المتمثل في عرض تولي عبد الرحيم بوعبيد حقيبة وزارة الخارجية داخل الفريق الحكومي الجديد، مشدداً على أن الملك يلح على هذا الاختيار بشكل خاص.

بوعبيد، وحسب روايته، فإنه قبل الرد على العرض، رأى من الضروري التذكير بسياق تنصيب الحكومة الحالية، يوم 24 دجنبر 1958، حيث أُعلن رسمياً أنها ستستمر إلى ما بعد الانتخابات الجماعية، وأن حكومة جديدة ستُشكَّل بناءً على نتائج تلك الانتخابات، بما يضمن تمثيلية أوسع لمختلف توجهات الرأي العام. ويضيف أن هذا المسار كان قد تقدم فعلياً، رغم تباطؤ وزارة الداخلية، إذ جرت مشاورات حزبية حول نمط الاقتراع في يونيو 1959، قبل أن يصدر ظهير صادق عليه الملك ينص على تنظيم الانتخابات بالاقتراع الأحادي، وحمل تاريخ شتنبر من السنة نفسها، قبل أن يُسجَّل الناخبون في اللوائح الانتخابية خلال شهر دجنبر، ولم يبق سوى تحديد موعد الاقتراع، وهو ما جعله يتساءل عن مبررات إعفاء الحكومة قبل إنجاز هذا الاستحقاق.

ويستحضر بوعبيد أن ولي العهد أجابه بأن القرار قد اتُّخذ فعلاً، مبرزاً أن قوة معارضة الأحزاب السياسية الأخرى بلغت حداً جعل الإبقاء على الحكومة خلال الانتخابات يبدو وكأنه دعم لحظوظها، فتم بالتالي اختيار دعم حظوظ فريق آخر.

ويواصل ولي العهد عرض مبررات القصر على الزعيم الاتحادي (بوعبيد) وعضو الحكومة، التي كانت نهايتها مسألة وقت فقط، لاعتماد الاقتراع الأحادي بدل الاقتراع باللائحة، الذي دعا إليه كل من حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كان يهدف في العمق إلى تكريس سلطة ما سُمي بالنخب المحلية، عبر الإبقاء على البنيات والهياكل القروية التقليدية التي استندت إليها سياسة الحماية، وأن من شأن النتائج الانتخابية، من خلال تقوية حظوظ العالم القروي، إبراز توجهات محافظة، إن لم تكن رجعية بحتة.

في خضم هذا النقاش، يروي بوعبيد أنه طرح سؤالاً مباشراً حول هوية رئيس المجلس الحكومي، فجاءه الجواب بأن ولي العهد نفسه سيتولى هذه المهمة. ويصف بوعبيد وقع هذا الجواب عليه بالمفاجأة العميقة، مؤكداً أنه، حتى وإن سبق له أن سمع بالأمر، فإنه لم يكن قد صدقه.

وتواصل شهادة السياسي الاتحادي أنه عبّر عن صعوبة تصديقه لفكرة أن يضع ولي للعهد، ومستشار للملك، نفسه على رأس الحكومة، إلا في ظروف استثنائية حقاً. وتابع شارحاً أن الحكم، في جوهره، يقوم على الاختيار، بما يستتبع تحمّل المسؤولية السياسية عن التوجهات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخارجية. فالرجل السياسي العادي، حين يختار، يتحمل تبعات اختياره كاملة، إما بالاستمرار إن نجح، أو بالاستقالة أو الإعفاء إن أخفق، وفق قواعد اللعبة حتى في ديمقراطية غير مكتملة.

ويمضي بوعبيد في تحليله موضحاً أن ولي العهد، بحكم موقعه، يمثل استمرارية نظام الملكية، ولا يمكن أن تُسند إليه مسؤولية سياسية قابلة للمحاسبة أو المجازاة. ويتساءل عن موقع المعارضة في هذه الحالة، إذ إن أي اعتراض على السياسات سيتحول بالضرورة إلى معارضة مباشرة لولي العهد، لأن هذه الصفة ستظل الغالبة والمهيمنة. ويؤكد أنه لا يثير إشكالاً شكلياً أو قانونياً مجرداً، بل يحاول تصور وضعيات ملموسة، قبل أن يخلص بصراحة إلى عدم تفهمه للأسباب التي تدفع ولي العهد إلى تولي رئاسة الحكومة.

ويحكي بوعبيد أن ولي العهد رد عليه بأنه قدّر مختلف الجوانب السلبية والإيجابية، وتوقع الاعتراضات التي ستُثار، غير أن القرار قد اتُّخذ. وأضاف أن التفكير في مشاركة بوعبيد داخل الفريق الجديد كان بهدف تمثيل مختلف الاتجاهات، مؤكداً أنه لا يعارض في العمق كل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، بل معتبراً نفسه اشتراكياً بدوره حينما قال لبوعبيد: أنا أيضا اشتراكي.

ويختم بوعبيد روايته عن هذا اللقاء المحمل بالرسائل السياسية بالإشارة إلى أن ولي العهد أخبره بنيته رفع تقرير إلى الملك، محمد الخامس، حول هذا اللقاء، مع التأكيد على أنه سيتم استدعاؤه للمشاورة وفق ما تقتضيه الأعراف. ويضيف أن اللقاء كان قد انتهى عملياً، وكانا يتمشيان في الحديقة، وعند استئذانه في المغادرة، خاطبه ولي العهد قائلاً إنه لا يفهمه، لأنه لا يرى فيه سوى ولي العهد، في حين يعتبر نفسه مناضلاً وإنساناً مثله، يطمح إلى لعب دور في حياة بلاده، مؤكداً أنه لن ينتظر طويلاً لخلافة والده، لأن هذا هو عمق تفكيره.

ماي 1960.. تحالفات الحكومة الجديدة 

في أفق تلك اللحظة السياسية الدقيقة، يطرح بوعبيد سؤالاً بإلحاح: هل كانت هذه الوقائع بمثابة الإرهاصات الأولى لتحول عميق سيطرأ على الوضع، والعودة إلى تصور يؤمن بالملكية المطلقة، تستند تبريراتها إلى انقسام الأحزاب السياسية وإرادة العالم القروي، وهي الإرادة المعبر عنها من طرف الأعيان الجدد، أبناء وأقارب القياد والباشوات الخدّام السابقين لإدارة الحماية؟ مجيباً نفسه: سيبين توالي الأحداث أن التوجه كان هو ذاك فعلاً.

وعلى امتداد الأيام الموالية، يروي عضو الحكومة المعفية أنه ابتداء من 26 ماي، شرع محمد الخامس في المشاورات من أجل تشكيل الفريق الحكومي الجديد، وإن كان إجراء شكلياً فقط، لأن المسألة كلها سويت قبل أيام من هذا التاريخ، بيد أنه حصل مع ذلك تغيير بمقارنة مع الخطة الأصلية.

يذكر الزعيم الوطني إصرار بعض الشخصيات من بين المؤهلين للوزارات من أمثال عبد الكريم بنجلون، على الملك كي يتولى هو نفسه رئاسة المجلس الحكومي، على أن يكون ولي العهد نائب الرئيس فقط.

في هذا السياق المشحون، ينتقل بوعبيد إلى تفاعل المشهد الحزبي مع هذه المستجدات حينما قال إن ممثلي الاستقلال والحركة الشعبية وغيرهم من المستقلين كانوا حاضرين. مواصلاً: كنت أول من استدعي إلى لقاء الملك. بدا لي جلالته محرجاً أو مكدر البال نوعاً ما. أخبرني أنه على علم بمجريات اللقاء مع الأمير مولاي الحسن، وباقتضاب شديد عبرت له عن عميق أسفي لعدم قبول العرض الذي عرض علي نظراً إلى الأسباب التي عرضتها على نجله، هذا دون الإشارة إلى العبارة الأخيرة التي تفوه بها هذا الأخير في نهاية اللقاء.

ورغم ثقل اللحظة، يضيف بوعبيد أن الملك محمد الخامس تفضل بأن أعرب له عن رضاه عن العمل الذي قمت به، سواء إبان المفاوضات من أجل استقلال البلاد، أو في إدارة الاقتصاد والمالية طوال قرابة ست سنوات بلا انقطاع.

يروي بوعبيد عن ذلك اللقاء القصير والمحادثة المقتضبة بينه وبين الملك محمد الخامس قائلاً:

ثم، وبلهجة تجمع بين التقدير والانتظار، قال لي جلالته:
– البلاد ستكون في حاجة إلى مساهمة رجال أمثالك، ولن يفوتني وقتها اللجوء إلى مساهمتك.

وكان جوابي، من دون تردد:
سأظل رهن إشارة جلالتك ورهن إشارة بلادنا، حتى لو كان ذلك بشكل شبه رسمي.

تستعيد ذاكرة عبد الرحيم بوعبيد لحظات الإعلان عن تنصيب الحكومة الجديدة حينما قال إنه مع انقضاء صبيحة ذلك اليوم، تم نبأ الخبر رسمياً، وأصبح ولي العهد نائب رئيس المجلس، جامعاً حوله ممثلي مختلف تيارات المعارضة.

ويواصل بوعبيد كشف كواليس تلك اللحظة السياسية الدقيقة قائلاً إن الأمور لم تقف عند هذا الحد؛ فبعد أيام قليلة، تم التفويض لولي العهد نائب رئيس المجلس الحكومي بكل سلطات رئيس المجلس، وعين أحمد رضا اكديرة المدير العام لديوانه، وبذلك أصبح هذا الرجل الحلق الذكي، والذي لا ماضي وطني له، مفتاح الفريق الجديد، وكان يستمد سلطته من ثقة الأمير – الرئيس.

ويضيف أنه بالموازاة مع ذلك، وبمجرد تشكيل الفريق الحكومي الجديد، اختار الملك مديراً عاماً لديوانه محمد عواد، الذي وصفع بأنه إنسان نزيه أخلاقياً ومادياً. إلا أنه؛ حسب رواية بوعبيد، سيجد نفسه، هو المعروف بسلامة طويته ونيته النبيلة، في مواجهة شبه يومية مع اكديرة المدير العام لديوان الأمير، وقد كان التوتر في أوجه بين الرجلين وفي علم الجميع. وعندما توفي محمد الخامس، انتصر اكديرة بقوة الأشياء.

أما المشهد الأكثر إثارة للأسى، يواصل بوعبيد التفاصيل والتحولات السياسية لتلك اللحظة، فكان يتمثل في رؤية قادة حزب الاستقلال يتخلون عن أي موقف ينم عن الحد الأدنى من الكرامة أمام سيد اللعبة الجديد ممثلاً في اكديرة، الذي لم يكن يدع أي فرصة تمر من دون تحسيسهم بذلك. وقد كانوا جميعهم، من دون استثناء، رهن أوامره، بل حتى علال الفاسي نفسه، بكل ماضيه ورهافة حسه، كان مجبراً في صحافة حزبه على مديح الذكاء السياسي لمدير ديوان الأمير، وقيل إنه كان أحياناً ينتظر ساعتين قبل أن يحظى بلقاء اكديرة.

ولم يخف الزعيم الاتحادي ملاحظاته القاسية على حزب الاستقلال، خلال تلك الفترة، حينما قال إن الحزب يعيش تصدعاً بنيوياً؛ إذ تأثر تأثراً عميقاً جداً بانشقاق 1959، ذلك الانشقاق، حسبه، الذي يتحمل فيه الاستقلال مسؤولية كبيرة.

ويوضح بوعبيد أن ظهور الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ودينامية مناضليه، المدعومين من طرف الأغلبية الكبيرة من الجماهير الشعبية المسيسة، تسبب في إثارة مخاوفه، فطغى العداء والحقد الأعمى على كل الاعتبارات، وأصبح التحالف مع المستقلين (الأحرار) والحركة الشعبية وحزب الدستور الديمقراطي – الحزب الذي أسسه محمد بلحسن الوزاني بعد حل الشورى والاستقلال، وقد اختفى الحزب الثاني قبل وفاة مؤسسه – ومع كل الاتجاهات التي لم يفتأ يرفضها، استراتيجيته المفضلة، معتقداً أنه يمكن التحكم فيها.

ويؤكد بوعبيد أن هذه الاستراتيجية، في جوهرها، كانت فريدة من نوعها، لكنها لم تكن أكثر من مجرد وهم، قُدِّم لمناضليه أو للعاطفين عليه بمثابة تجديد للعهد بين محمد الخامس وحزب الاستقلال، كما في سنوات 1944-1955. 

ويستطرد زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية انتقاده للاستقلاليين أنهم يقولون، من دون إقناع طبعاً، إنهم يقبلون التواجد في هذا التحالف الجديد من أجل إقرار مؤسسات ديمقراطية، ضمنها دستور على وجه الخصوص، ولكن من دون تحديد ما إذا كان هذا الدستور سينبثق أم لا عن عمل مجلس تأسيسي منتخب بالاقتراع المباشر.



Source link
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق