رسائل ولد الغزواني المزدوجة بين الرباط والبوليساريو.. كيف يختبر القرار الأممي 2797 قدرة موريتانيا على الحفاظ على حيادها التقليدي في نزاع الصحراء؟

admin19 نوفمبر 2025آخر تحديث :
رسائل ولد الغزواني المزدوجة بين الرباط والبوليساريو.. كيف يختبر القرار الأممي 2797 قدرة موريتانيا على الحفاظ على حيادها التقليدي في نزاع الصحراء؟


عاد المشهد الدبلوماسي الموريتاني إلى واجهة النقاش الإقليمي بعد استقبال الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لوفد من جبهة البوليساريو، أمس الثلاثاء، وتسلُّم رسائل مباشرة من زعيمها إبراهيم غالي، وهي الخطوة التي أعادت طرح سؤال مركزي: هل ما زالت نواكشوط متمسكة فعلاً بالحياد الإيجابي في ملف الصحراء، أم أنها تتنقل بين المواقف وفق إيقاع مصالحها وتوازناتها الداخلية والخارجية؟

اللافت أن هذا التذبذب لم يعُد حدثا معزولا، بل بات جزءا من دينامية تتكرر كلما خطت العلاقات المغربية الموريتانية خطوة إلى الأمام، ورغم أن موريتانيا تؤكد في كل مناسبة أنها تقف “على مسافة واحدة” من أطراف النزاع، إلا أن السلوك الدبلوماسي على الأرض يعكس شبكة من الحسابات المركّبة، تتداخل فيها اعتبارات الجغرافيا والذاكرة التاريخية والضغط الإقليمي، لتنتج موقفا ضبابيا لا هو حياد مطلق، ولا هو اصطفاف معلن.

يصعب فهم الموقف الموريتاني الراهن دون العودة إلى تراكمات تاريخية شكّلت ما يشبه “عقيدة احترازية” في نواكشوط، فمنذ توقيع اتفاق مدريد سنة 1975 وتقاسم النفوذ مع المغرب على الصحراء، اكتشفت موريتانيا أن الانخراط المباشر في الإقليم أكبر من قدراتها العسكرية والسياسية، فمواجهة البوليساريو، بدعم جزائري واضح، وبتسليح سخي من ليبيا دول المعسكر الشرقي حينها، تحولت إلى استنزاف حادّ ضرب الجيش، وعمَّق الانقسامات الداخلية، وفتح الباب أمام انقلابات متتالية هزّت الدولة الفتية.

هذه التجربة المريرة دفعت نواكشوط سنة 1979 إلى الانسحاب الكامل من الإقليم الذي ضمته الرباط سريعا، في قرار وصف داخليا بـ”الصدمة الاستراتيجية”، قبل أن تمنح اعترافا شكليا بكيان “البوليساريو”، وبمرور الزمن، تحوّل تحاشي التورط في النزاع إلى ركيزة أساسية في الوعي السياسي الموريتاني، ليس بدافع القناعة الأيديولوجية، بل اتقاءً لتكرار مآسي الماضي.

لكن هذا “الحياد” لم يكن يوما ثابتا، فموريتانيا وجدت نفسها دائماً أمام معادلة صعبة، حيث إن المغرب شريك اقتصادي لا غنى عنه، والجزائر جار ضاغط يمتلك نفوذا سياسيا وطاقيا لا يمكن تجاهله، لذلك اختارت ما يشبه حيادا انتقائيا، يتبدل بتغير الظروف، ويتغذى من رغبة دائمة في تجنب أي اصطفاف قد يوقظ أشباح التاريخ أو يستفز توازنات القبائل ذات الامتدادات المشتركة بين موريتانيا والصحراء.

خلال السنوات الأخيرة، دخلت العلاقات المغربية الموريتانية مرحلة من التنسيق العميق، شمل الاقتصاد والأمن ومكافحة الإرهاب في الساحل، ومشاريع استراتيجية كخط أنبوب الغاز المغربي – النيجيري الذي يرتقب الشروع في انجازه ومروره عبر الجارة الجنوبية، وتوسيع المعبر التجاري بالكركرات، والتعاون البحري واللوجستي، وهي مصالح جعلت نواكشوط أقرب إلى الرباط من أي وقت مضى.

في المقابل، لم تتوقف القيادة الموريتانية عن استقبال وفود “البوليساريو” في كل محطة سياسية بارزة، فالرئيس ولد الشيخ الغزواني تسلّم رسائل مباشرة من إبراهيم غالي أكثر من مرة، كما استضاف ممثلين عن الجبهة خلال زيارات رسمية واحتفالات دبلوماسية، آخرها حضور زعيم “البوليساريو” ضمن وفود تنصيب الرئيس لولاية ثانية سنة 2024، وهو الحدث الذي شهد “مصافحة باردة وسريعة” بين الطرفين وثقها التلفزيون العمومي الموريتاني، وكشفت في حينه حجم الحرج الذي تعيشه نواكشوط.

هذا الازدواج في السلوك يعكس حرص نواكشوط على تجنب الصدام مع أي طرف، فزيارة مدير الأمن الموريتاني للرباط سنة 2022، والتفاهمات الواسعة مع نظيره المغربي عبد اللطيف الحموشي، وإدماج موريتانيا في مشاريع طاقية واقتصادية كبرى بقيادة المغرب، كلها مؤشرات على تقارب استراتيجي يصعب إنكاره، لكنّ توجيه دعوات رسمية لقيادات البوليساريو يشير في الوقت نفسه إلى أن موريتانيا لا ترغب في إعطاء المغرب “انتصارا سياسيا مجانيا” قد يغضب الجزائر أو يربك التوازنات المحلية.

مع الاعتراف المتزايد بشرعية الطرح المغربي، خصوصا بعد دعم الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا للطرح المغربي، وقرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797 المؤيد لمبادرة الحكم الذاتي والذي يدعو للتفاوض على أساسها، بدا أن المنتظم الدولي يتحرك بوضوح في اتجاه حلّ نهائي لصالح الرباط، غير أن موريتانيا لم تُغيّر خطابها الرسمي الذي يتأرجح بين الحياد و”الانحياز”

لكن خلف هذا الخطاب، تتشكل قراءة أكثر تعقيدا، فموريتانيا تخشى أن يؤدي أي دعم صريح للمغرب إلى توترات مع الجزائر التي تَعتبر الملف قضية محورية في سياستها الخارجية، مع ما قد يلي ذلك من كُلفة أمنية واقتصادية، كما أنها تدرك أن الاصطفاف سيؤثر في التوازنات القبلية شمال البلاد، حيث توجد روابط عائلية وثقافية بين بعض المكونات الاجتماعية والجبهة.

في المقابل، تُدرك نواكشوط أن استمرار الغموض مُفيد ما دام النزاع بلا حل نهائي، فكلما طال أمد الأزمة، توسعت قدرتها على المناورة، وتحولت إلى حجر توازن في معادلة إقليمية حساسة، إلا أن اتجاه المجتمع الدولي نحو دعم واسع للحل السياسي على أساس الحكم الذاتي، وإصرار المغرب على أن ملف الصحراء هو “المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات”، كما قال الملك محمد السادس قبل ثلاث سنوات، قد يدفع نواكشوط نحو تبني موقف يقترب واقعيا من الطرح المغربي.

المؤكد أن القرار الأممي 2797 أعاد رسم ملامح التفاعل الإقليمي مع النزاع، ودفع موريتانيا إلى واجهة النقاش الدولي بطريقة لم تعد تسمح بالغموض الذي اعتادت عليه دبلوماسيتها، فاللهجة المباشرة التي جاء بها القرار، إلى جانب تكرار تأكيده على مركزية الحل السياسي الواقعي، تضع نواكشوط أمام لحظة مراجعة ضرورية لمسافة الأمان التي ظلت تحافظ عليها لسنوات.

القرار اعتمد صياغة أكثر صرامة حين تحدث عن “الأطراف المعنية”، وهو توصيف لم يعد يترك لموريتانيا موقع المتفرّج، حيث إن إدراجها إلى جانب الجزائر في خانة المسؤولية السياسي،ة وليس فقط كشريك مراقب، يدفعها واقعيا إلى توضيح موقفها وعدم الاكتفاء بالحياد التقليدي الذي بنت عليه سياستها تجاه الملف، خصوصا وأنها أيضا مدعوة إلى الجلوس لطاولة التفاوض.

القرار أيضا منح زخما أكبر لمعادلة الحل السياسي الواقعي والمتوافق عليه، ويعكس اصطفافا دوليا متناميا حول خيار واحد، ويضع موريتانيا أمام “ضغط ناعم” للالتحاق بهذا التوجه الدولي، حيث إن الدبلوماسية الموريتانية، التي كانت تراهن على توازن حساس بين الجارين الجزائر والمغرب، تجد نفسها اليوم مطالَبة بتعديل إيقاعها بما لا يخلُّ ببراغماتيتها، ولا يعطّل في المقابل تموقعها كفاعل إقليمي مسؤول.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق