رغم بلوغ ملء السدود 70% وتجاوز المخزون 11,8 مليار م³ وتصريف الفائض نحو البحر.. خبراء يحذرون من محدودية القدرة التخزينية ويدعون الحكومة لتسريع بناء السدود وتوسيع تحلية مياه البحر

adminمنذ 4 ساعاتآخر تحديث :
رغم بلوغ ملء السدود 70% وتجاوز المخزون 11,8 مليار م³ وتصريف الفائض نحو البحر.. خبراء يحذرون من محدودية القدرة التخزينية ويدعون الحكومة لتسريع بناء السدود وتوسيع تحلية مياه البحر


أعادت الأمطار الغزيرة التي اجتاحت المغرب خلال الأسابيع الأخيرة ملء السدود بوتيرة غير مسبوقة بعد سنوات من الإجهاد المائي في مشهد عكس عودة الوفرة إلى منشآت ظلت لسنوات تعاني مستويات حرجة، غير أن هذه الوفرة كشفت في الوقت ذاته مفارقة مائية جديدة، بعدما اضطرت بعض السدود إلى تصريف كميات مهمة من المياه نحو البحر بسبب بلوغها حدودها القصوى، ما أعاد إلى الواجهة سؤال القدرة التخزينية الوطنية وحدود البنية التحتية في مواجهة تقلبات مناخية باتت تتأرجح بين الجفاف الطويل والتساقطات المركزة، وفتح نقاشا علميا حول ما إذا كانت هذه المياه المفرغة تمثل خسارة فعلية، أم أنها تؤدي دورا بيئيا أساسيا في دعم النظم الساحلية والثروة السمكية.

وأدت التساقطات المطرية القوية التي شهدها المغرب منذ مطلع الشتاء إلى تحول جذري في الوضعية المائية الوطنية، بعدما انتقل مخزون السدود من مستويات حرجة إلى مؤشرات وصفتها الجهات الرسمية بأنها غير مسبوقة منذ سنوات فقد بلغت نسبة ملء السدود حوالي 70,3 في المائة في منتصف فبراير الجاري، مقابل نحو 27,6 في المائة فقط خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، فيما ارتفع المخزون الإجمالي إلى نحو 11,8 مليار متر مكعب، أي بزيادة تفوق 7 مليارات متر مكعب خلال عام واحد، وهو ما يعكس حجم الانتعاش الذي عرفته الموارد المائية بعد فترة طويلة من الإجهاد المائي.

وهذا الارتفاع لم يكن تدريجيا فقط، بل جاء نتيجة تدفقات استثنائية خلال فترة قصيرة، إذ تمكنت السدود من استيعاب أكثر من 2,3 مليار متر مكعب من المياه في غضون أربعة أسابيع فقط مع بداية الموسم المطري، ما رفع نسبة الملء إلى أكثر من 45 في المائة مطلع يناير، قبل أن تستمر في الارتفاع خلال الأسابيع اللاحقة مع توالي المنخفضات الجوية.

وتعكس هذه الأرقام حجم التحول الذي عرفه المشهد المائي، خاصة أن البلاد كانت تعيش واحدة من أطول فترات الجفاف في تاريخها الحديث، استمرت قرابة سبع سنوات، وأثرت بشكل مباشر على الإنتاج الفلاحي والاحتياطات الاستراتيجية للمياه، بل دفعت السلطات إلى تسريع مشاريع تحلية مياه البحر وتحويل الموارد المائية بين الأحواض لمواجهة النقص الهيكلي.

وقد سجلت الأحواض الشمالية للمملكة أعلى مستويات الانتعاش، حيث تجاوزت نسبة الملء في حوض اللوكوس 94 في المائة، فيما بلغت أكثر من 91 في المائة في حوض سبو، الذي يعد العمود الفقري للإنتاج الفلاحي الوطني، بينما اقترب حوض أبي رقراق من 93 في المائة، وهو الحوض الذي يزود محور الرباط–الدار البيضاء بجزء مهم من مياه الشرب كما بلغت بعض السدود مستويات قصوى أو شبه قصوى، من بينها سد سيدي محمد بن عبد الله، الذي يشكل منشأة استراتيجية لتأمين مياه الشرب للعاصمة الاقتصادية، وسد وادي المخازن الذي استقبل مئات الملايين من الأمتار المكعبة، إضافة إلى سدود متوسطة وصغيرة وصلت بدورها إلى نسبة ملء كاملة.

غير أن هذه الوفرة المائية، التي جاءت كمتنفس حقيقي بعد سنوات من التقشف المائي، كشفت في الوقت ذاته حدود القدرة التخزينية الوطنية بعدما تجاوزت بعض السدود مستوياتها القصوى، ما اضطر السلطات إلى تصريف كميات مهمة من المياه نحو الأودية والبحر لتفادي الضغط على المنشآت أو خطر الفيضانات ففي الشمال الغربي، تجاوز سد وادي المخازن قدرته بنسبة وصلت إلى 160 في المائة، ما استدعى إطلاق كميات كبيرة من المياه نحو مجرى نهر اللوكوس، وهو ما ساهم في حدوث فيضانات واسعة النطاق وإجلاء عشرات الآلاف من السكان، في مؤشر واضح على حجم التدفقات التي عرفتها البلاد خلال هذا الموسم المطري الاستثنائي.

هذا التصريف، الذي قد يبدو للوهلة الأولى هدرا لمورد ثمين، يطرح في الواقع إشكالا تقنيا وبيئيا أكثر تعقيدا وفي هذا السياق، أوضح الخبير في الموارد المائية والأنظمة البيئية أحمد السعيد أن تخزين كل المياه المتدفقة خلال فترات الأمطار الغزيرة أمر مستحيل من الناحية التقنية، لأن السدود تُبنى وفق معايير محددة توازن بين التخزين والأمان الهيكلي.

وأكد الخبير في تصريح لـ “الصحيفة” أن “أي سد عندما يصل إلى سعته القصوى يصبح من الضروري تصريف الفائض لتجنب مخاطر قد تكون كارثية، لأن الضغط الزائد يمكن أن يهدد سلامة المنشأة والمناطق الواقعة أسفلها” لكنه شدد في المقابل على أن المياه التي تصل إلى البحر لا يمكن اعتبارها ضائعة بالمعنى المطلق، بل تشكل جزءا أساسيا من الدورة البيئية الطبيعية.

وأوضح السعيد أن هذه التدفقات العذبة تحمل معها عناصر غذائية طبيعية ورواسب معدنية تغذي المناطق الساحلية، وتساهم في تنشيط الإنتاج البيولوجي البحري، ما يعزز وفرة العوالق النباتية التي تشكل أساس السلسلة الغذائية في المحيط وأضاف أن “هذه العملية تنعكس بشكل مباشر على الثروة السمكية، لأن كثيرا من الأنواع البحرية تعتمد على مصبات الأودية كمناطق حضانة طبيعية، حيث توفر المياه العذبة بيئة غنية بالمغذيات تتيح نمو الكائنات الدقيقة التي تتغذى عليها الأسماك”.

 كما أشار الخبير، إلى أن هذه التدفقات تساعد على الحفاظ على التوازن البيئي للمصبات الساحلية، وتحد من ظاهرة ارتفاع الملوحة التي قد تؤثر سلبا على النظم البيئية الحساسة، فضلا عن دورها في إعادة تغذية المياه الجوفية الساحلية عبر عمليات التسرب الطبيعي.

ويرى الخبير أن ما يحدث اليوم يعكس تحولا في طبيعة التحديات التي تواجهها السياسة المائية المغربية، التي كانت تاريخيا تركز على مواجهة الندرة، لكنها أصبحت مطالبة الآن بالتعامل أيضا مع فترات الوفرة المفاجئة وأكد أن “التغيرات المناخية جعلت التساقطات أكثر تقلبا، بحيث قد تمر سنوات كاملة من الجفاف، ثم تأتي فترة قصيرة تشهد تدفقات مائية ضخمة، وهو ما يتطلب إعادة التفكير في منظومة التخزين الوطنية”.

 وفي هذا السياق، دعا إلى تسريع مشاريع بناء سدود جديدة ورفع القدرة الاستيعابية لبعض السدود القائمة، إضافة إلى تطوير شبكات تحويل المياه بين الأحواض المائية، بما يسمح بنقل الفائض من المناطق الغنية بالمياه إلى المناطق التي تعاني خصاصا هيكليا.

كما شدد على أهمية استكمال مشاريع تحلية مياه البحر، التي باتت تشكل خيارا استراتيجيا لتعزيز الأمن المائي، خاصة في المدن الساحلية التي يمكنها الاعتماد على المياه المحلاة، ما يتيح تخصيص مخزون السدود للمناطق الداخلية والقطاع الفلاحي. وتندرج هذه الجهود ضمن استراتيجية وطنية تهدف إلى إنتاج نحو 1,7 مليار متر مكعب من المياه المحلاة سنويا بحلول عام 2030، في إطار مسعى لتأمين إمدادات مستقرة في ظل التغير المناخي.

ورغم أن التساقطات الأخيرة وفرت متنفسا مهما للموارد المائية، فإن الخبراء يحذرون من أن هذا التحسن لا يعني نهاية التحديات، لأن التوازن المائي في المغرب يظل هشا ومعتمدا على تقلبات مناخية يصعب التنبؤ بها فالسنوات الأخيرة أظهرت أن الاحتياطات يمكن أن تتراجع بسرعة خلال فترات الجفاف، ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية والتخطيط طويل الأمد ضرورة استراتيجية وبين وفرة مفاجئة كشفت حدود التخزين، وذاكرة قريبة لأزمة ندرة خانقة، يقف المغرب اليوم أمام معادلة جديدة ليس فقط كيف يحمي نفسه من نقص المياه، بل أيضا كيف يدبر فائضها عندما يعود المطر بغزارة.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق