يشهد مضيق جبل طارق تحولات متسارعة في خريطة النقل البحري والتجارة الدولية، مع بروز الموانئ المغربية كلاعب رئيسي يسعى إلى تعزيز موقعه كمركز لوجستي عالمي يربط بين أوروبا وإفريقيا وباقي الأسواق الدولية، وهو التحول الذي يأتي في سياق تنافس متزايد بين المغرب وإسبانيا للاستحواذ على حركة البضائع العابرة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ووفق دراسة إسبانية حديثة تناولت تحولات المنافسة في المضيق، فإن المغرب تمكن خلال السنوات الأخيرة من تعزيز موقعه بشكل واضح بفضل استثمارات استراتيجية في ميناء طنجة المتوسط ومشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، وهو ما مكنه من التحول إلى بديل متزايد الأهمية للموانئ الإسبانية، خاصة ميناء الجزيرة الخضراء.
وتشير الدراسة إلى أن هذه المشاريع لا تقتصر على تطوير البنية التحتية، بل تندرج ضمن رؤية أشمل تهدف إلى توسيع نطاق النفوذ الاقتصادي للمغرب، مع ربط الموانئ الجديدة بمناطق صناعية ولوجستية قادرة على استقطاب الاستثمارات الدولية وتعزيز حركة إعادة الشحن.
وتبرز معطيات النقل البحري أن ميناء طنجة المتوسط لعب دورا محوريا في تغيير موازين المنافسة داخل المضيق، حيث منذ تشغيل المرحلة الأولى سنة 2007، ثم توسعته سنة 2019، شهد الميناء نموا متواصلاً في حجم المناولة، إذ سجل سنة 2024 مرور أكثر من 10 ملايين حاوية، متجاوزا بذلك بفارق كبير حجم المناولة في ميناء الجزيرة الخضراء الذي سجل أقل من خمسة ملايين حاوية.
ويعكس هذا التطور وفق المصدر ذاته انتقال مركز الثقل اللوجستي تدريجيا نحو الضفة الجنوبية للمضيق، مع اعتماد المغرب على منظومة مينائية متكاملة تقوم على الأتمتة وتبسيط الإجراءات وتحسين سرعة معالجة البضائع.
ويعزى هذا التقدم أيضا إلى عوامل تنظيمية ومالية، من بينها التكاليف الإضافية التي فرضتها السياسات البيئية الأوروبية على حركة الملاحة البحرية، حيث أصبح على السفن التي ترسو في موانئ الاتحاد الأوروبي دفع رسوم مرتبطة بانبعاثاتها الكربونية، حيث دفعت هذه الرسوم عددا من شركات الشحن إلى تفضيل تفريغ حمولاتها في موانئ خارج الاتحاد الأوروبي، مثل طنجة المتوسط، لتجنب التكاليف الإضافية، وهو ما منح الموانئ المغربية ميزة تنافسية إضافية في جذب حركة إعادة الشحن.
وأضاف نفس المصدر أن المغرب يراهن على مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط لتعزيز هذا التموقع، حيث من المرتقب أن يبدأ تشغيل المرحلة الأولى بين نهاية سنة 2026 وبداية 2027 بطاقة أولية تصل إلى 3.5 ملايين حاوية سنويا، قابلة للرفع إلى أكثر من خمسة ملايين في مراحل لاحقة.
ويُنتظر أن يشكل هذا المشروع إضافة نوعية للشبكة المينائية المغربية، خاصة أنه يتضمن مركباً صناعياً ومنشآت للطاقة، بما في ذلك تجهيزات مرتبطة بالغاز الطبيعي المسال، وهو ما يعكس توجها لتوسيع دور الموانئ المغربية نحو قطاعات الطاقة والصناعة.
وتشير التحليلات إلى أن المنافسة في المضيق لا تقتصر على نقل الحاويات فقط، بل تمتد إلى الخدمات اللوجستية المرتبطة بالطاقة وسلاسل التوريد الدولية، خاصة بعد التحولات التي عرفتها الأسواق العالمية في أعقاب جائحة كوفيد-19. وقد دفعت هذه التحولات العديد من الدول إلى إعادة النظر في مواقع مراكزها اللوجستية، وهو ما يستفيد منه المغرب عبر تقديم نفسه كمحور عبور للبضائع القادمة من إفريقيا وأمريكا اللاتينية نحو أوروبا.
من جهة أخرى، تواجه الموانئ الإسبانية تحديات مرتبطة بالحاجة إلى تحديث البنية التحتية، حيث تعتمد الموانئ المغربية الجديدة على نظم تشغيل حديثة تقلص زمن معالجة البضائع وتزيد من كفاءة العمليات، إذ يرى مراقبون أن استمرار هذا الفارق قد يؤدي إلى تحول تدريجي في مسارات التجارة البحرية، خاصة إذا استمرت شركات الشحن في البحث عن حلول أقل تكلفة وأكثر سرعة.
كما أن التمويل الدولي الذي حظي به مشروع الناظور غرب المتوسط يعكس ثقة المؤسسات المالية في جدوى المشروع، إذ ساهمت مؤسسات أوروبية في تمويل جزء من تكاليف إنجازه، إلى جانب التمويل الحكومي المغربي، وهو ما سيؤدي إلى استقطاب شركات الشحن العالمية وربط الميناء بمناطق صناعية قادرة على توليد حركة تجارية مستدامة.
وتتجاوز هذه المشاريع – وفق التحليل ذاته- بعدها الاقتصادي لتشمل أبعادا جيوسياسية، إذ يسعى المغرب إلى تعزيز دوره كمركز إقليمي يربط بين إفريقيا وأوروبا، خاصة في ظل توجهه لتطوير مبادرات إقليمية تستهدف تسهيل وصول دول الساحل إلى الموانئ الأطلسية والمتوسطية.
