تواجه الخطوط الملكية المغربية وضعا صعبا، خلال السنوات القليلية الماضية من ناحية “سمعتها”، انعكست على حجم الانتقادات غير المسبوقة للشركة، بلغت ذروتها بخروجها المدوّي من قائمة أفضل مائة شركة طيران عالميا وفقا لتصنيف “AirlineRatings” لعام 2026.
هذا التراجع ليس مجرد رقم في تقرير دولي، بل هو انعكاس لواقع صعب يعيشه المسافرون على متن طائرات الشركة أو من خلال خدماته الأرضية وفي الجو، وهو ما يجسد فجوة عميقة بين الطموحات الرسمية المعلنة، والواقع المتردي للخدمات على متن الطائرات، مما يضع الإدارة الحالية أمام مساءلة حقيقية حول جدوى الأموال الضخمة التي ضختها الدولة لإنقاذ وتطوير الناقل الوطني.
المفارقة بين الاستثمار والنتائج في التصنيف الإقليمي
تظهر المقارنة الإقليمية مفارقة صادمة، فبينما تضخ الدولة المغربية مبالغ طائلة لإنقاذ “لارام”، نجد أن شركات إقليمية بميزانيات أقل استطاعت تقديم تجربة سفر أكثر تجانسا، وتصنيف الشركات المنافسة ركز بشكل أساسي على “ثبات الجودة”، وهو العنصر الذي افتقدته الخطوط الملكية المغربية التي تظهر في رحلة بمستوى مقبول وتغيب في عشرات الرحلات الأخرى بمقصورات متهالكة أو طائرات “مكتراة” لا تحمل روح الشركة ولا ألوانها، مما جعلها تتذيل الترتيب أمام ناقلات كانت إلى عهد قريب تعتبر المغرب نموذجا يحتذى به.
فشل التدبير الإداري لـ”لارام”
رغم العقود والبرامج التنموية التي وقعتها الشركة مع الحكومة، والتي رصدت ميزانيات ضخمة تهدف إلى مضاعفة الأسطول وتحديث الخدمات، إلا أن النتائج على أرض الواقع تشير إلى فشل ذريع في ترجمة هذه الأموال إلى جودة ملموسة.
ويرى مراقبون أن الإدارة الحالية عجزت عن ابتكار نموذج تسييري يواكب التحولات العالمية في قطاع الطيران، حيث ظل التركيز منصبا على الجوانب الكمية وتوسيع الشبكة دون إيلاء اهتمام كافٍ بالعنصر النوعي. هذا التخبط الإداري أدى إلى هدر فرص حقيقية للتطور، وجعل الشركة تكتفي بلعب دور “المتفرج” بينما تخطفت الناقلات الخليجية والأوروبية، وحتى الأفريقية الصاعدة، الريادة في السوق الإفريقية، ومنها سوق غرب إفريقيا الذي يشكل أكثر من 24 في المائة من العائدات المالية للخطوط الملكية المغربية.
تدهور الخدمات الأساسية
أصبحت الشكاوى المتعلقة بنظافة مقصورات طائرات “لارام” مادة دسمة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث توثق صور ومقاطع فيديو حالة مزرية للمقاعد، وتراكما للأوساخ في زوايا الطائرة، وهو أمر لا يليق بشركة تطمح لتمثيل المغرب عالميا.
يضاف إلى ذلك التدهور الحاد في جودة الأطعمة المقدمة، والتي وصفها الكثير من المسافرين بأنها “لا ترقى حتى للمستويات الدنيا” في شركات الطيران الاقتصادي، ناهيك عن شركة وطنية بأسعار تذاكر تعتبر من بين الأغلى في المنطقة، ويعود ذلك، إلى غياب الرقابة الداخلية على معايير الجودة وهو ما حوّل تجربة السفر مع الخطوط الملكية من رحلة يفترض أن تكون مثالية إلى معاناة نفسية وجسدية للمسافرين.
أموال طائلة ضختها الدولة في الشركة دون أن تنعكس على جودة تدبير الشركة
بلغت الاستثمارات العمومية المباشرة التي ضختها الدولة المغربية في ميزانية الخطوط الملكية المغربية منذ سنة 2019 ما يتجاوز 6 مليارات درهم كدعم استعجالي لمواجهة تداعيات الأزمة الصحية العالمية “كوفيد19″، وضمان استمرارية الناقل الوطني في وقت كانت فيه كبرى شركات الطيران العالمية تصارع الإفلاس، إلا أن هذا الدعم المالي الضخم لم يتوقف عند حدود الإنقاذ، بل امتد ليشمل مخططات تنموية كبرى تم توقيعها في إطار عقد برنامج طموح يهدف إلى رفع أسطول الشركة من 50 طائرة إلى 200 طائرة بحلول عام 2037.
هذا الدعم الهائل تطلب رصد اعتمادات مالية استثنائية من ميزانية الدولة لسد ثغرات العجز المالي المتراكم للشركة وتمويل صفقات الكراء والشراء الجديدة. والمثير للاستغراب والجدل في آن واحد هو أن هذا الضخ الملياري من أموال دافعي الضرائب لم يترجم أبدا إلى تحسن ملموس في جودة الخدمات المقدمة للمسافرين، بل شهدت هذه الفترة تحديدا تراجعا مخيفا في معايير النظافة وصيانة المقصورات وتدهور حالة الكراسي وأنظمة الترفيه، مما يطرح تساؤلات حارقة حول أوجه صرف هذه الميزانيات الضخمة في ظل إدارة عجزت عن تقديم أدنى مستويات الرفاهية الموعودة مقارنة بشركات إقليمية.
ومع تدهور خدمات “لارام” وتصنيفها من طرف الزبائن، يزاد اليقين أن المشكلة لا تكمن في غياب التمويل، بل في غياب الحكامة الرشيدة والقدرة على التدبير، ويكشف أن الوقت قد حان للمساءلة والمحاسبة وتغيير المدير الحالي الذي استنفد كل الفرص المتاحة دون جدوى تذكر.
أزمة الهوية البصرية.. مقصورات هجينة وطائرات قديمة بلا روح
من أكثر النقاط إثارة للجدل خصوصا لزبناء الشركة من المغاربة هو افتقاد “لارام” لهوية بصرية موحدة وواضحة داخل طائراتها. ففي محاولة لسد الخصاص في الأسطول، لجأت الإدارة إلى كراء أو شراء طائرات قديمة بنظام “الكراد”، لكن المثير للاستغراب هو الاحتفاظ بالألوان الأصلية لمقصورات الشركات السابقة (سواء في المقاعد أو الإضاءة)، مما خلق حالة من الفوضى البصرية داخل الطائرة.
هذا “التهجين” التنظيمي يعكس استهتارا بصورة العلامة التجارية المغربية، حيث يشعر المسافر وكأنه في طائرة متهالكة تفتقر للحد الأدنى من الانسجام الجمالي، وهو ما يعزز الانطباع بأن الشركة تعيش مرحلة “ترقيع” لا مرحلة “بناء وتحديث”.
لم يتوقف التراجع عند الجماليات فقط، بل طال الوظائف الأساسية للمعدات داخل الطائرة. فالعديد من طائرات المسافات الطويلة والمتوسطة تعاني من كراسي محطمة، وأنظمة ترفيه خارجة عن الخدمة، وطاولات طعام غير مستقرة.
هذا التردي في البنية التحتية للمقصورة لا يهدد فقط راحة المسافر، بل يمس بصورة المغرب كوجهة سياحية رائدة تستعد لاستقبال تظاهرات عالمية مثل كأس العالم 2030، والاستمرار في تشغيل طائرات بهذا المستوى من التهالك دون صيانة جذرية أو تجديد شامل، هو مقامرة بسمعة البلاد في قطاع النقل الجوي.
هل من سبيل للإنقاذ قبل فوات الأوان؟
خروج الخطوط الملكية المغربية من نادي المائة الكبار هو جرس إنذار أخير بضرورة تغيير النهج الإداري الحالي، واستعادة الثقة تتطلب ثورة شاملة تبدأ من تغيير العقلية التسييرية التي تعتمد على الدعم الحكومي كمظلة أمان دائمة، والانتقال إلى إدارة ترتكز على التنافسية والجودة الصارمة.
فالآفاق تظل مسدودة في وجه الشركة ما لم يتم اتخاذ قرار شجاع بإقالة الإدارة الحالية، وتعويضها بخبراء طيران دوليين قادرين على هيكلة الشركة وتطهيرها من البيروقراطية وسوء التدبير، وفق العديد من المراقبين لما آلت رليه الشركة.
وإنقاذ “لارام” يتطلب “ثورة جودة” تعيد بناء الهوية البصرية للأسطول، وتوحد معايير الخدمة، وتضمن أن كل درهم من المال العام يذهب لتحسين تجربة المسافر، قبل أن تتحول الشركة إلى مجرد ذكرى لناقل وطني كان يوما فخرا للمغاربة.
