أطلق صحافيون وهيئات نقابية ومهنية بالمغرب عريضة إلكترونية تطالب بإحالة مشروع قانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة على المحكمة الدستورية، بسبب ما اعتبروه مخالفات دستورية وملاحظات مهنية لم تؤخذ بعين الاعتبار أثناء إعداد القانون.
وأثار تمرير القانون موجة من التساؤلات حول مدى انسجامه مع التوجهات المعلنة في البرنامج الحكومي 2021-2026، خصوصًا فيما يتعلق بـ”تعزيز المسار الديمقراطي، وتقوية أدوار المؤسسات الدستورية، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة والديمقراطية التشاركية، وتوسيع فضاءات الحوار والتشاور مع الفاعلين المهنيين والاجتماعيين”.
وقالت العريضة، التي اطلعت عليها جريدة “مدار21″، إن القانون “أُعدّ دون اعتماد مقاربة تشاركية واسعة، وهو ما أثر على مستوى التوافق حول مضامينه، خاصة فيما يتصل بفلسفة التنظيم الذاتي للمهنة، القائمة على مبادئ الاستقلالية والديمقراطية والتعددية والتوازن بين مختلف مكونات الجسم الصحفي وآليات التمثيلية والانتخاب”.
وأضافت العريضة أن مشروع القانون “تجاهل كل الملاحظات التي أبدتها الهيئات النقابية والمهنية، ولم يعتد بالآراء الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان”. كما نبهت إلى أن التصويت على القانون تم بسرعة قياسية في البرلمان، و”تم في مجلس المستشارين دون إدخال أي تعديل، في تجاهل لدور هذه المؤسسة”.
وأوضحت العريضة أن مطلب الإحالة على المحكمة الدستورية يأتي حفاظًا على “المكتسبات الدستورية، واحترام الالتزامات الوطنية والدولية للمملكة في مجال حرية الرأي والتعبير، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وحماية صورة بلادنا الحقوقية”.
وشدد الموقعون على أن أي تشريع وطني يهم قطاع الصحافة والنشر “يظل ملزمًا باحترام مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحرية التعبير واستقلالية الإعلام، كما هو منصوص عليه في ديباجة الدستور، وبالحرص على ملاءمة التشريع الوطني مع مقتضياتها”.
وأشارت العريضة إلى وجود “شبهة عدم دستورية على مستوى المسطرة والمضمون”، مطالبة الجهات المعنية بـ”إحالة مشروع القانون على المحكمة الدستورية، عملاً بمقتضيات الفصل 132 من الدستور، ضمانًا لسمو الدستور، وحماية لاختصاصات المؤسسة التشريعية، وصونًا للحقوق”.
وكان مجلس المستشارين قد صادق يوم 24 دجنبر بالإجماع على مشروع قانون رقم 026.25 يتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وذلك بعد إعلان مكونات المعارضة الانسحاب من الجلسة العامة، احتجاجا على مضامين المشروع ورفض الحكومة لمختلف التعديلات التي قدمتها.
وتم، إثر عرض ودراسة تعديلات المعارضة التصويت على المشروع بإجماع أعضاء الأغلبية الحاضرين بالجلسة، ليكتب بذلك آخر فصل حول القانون المثير للجدل داخل البرلمان، إذ لن يحال مجددا على مجلس المستشارين لعدم إضافة أي تعديلات جديدة.
وفي كلمته خلال تقديم مشروع القانون، اليوم الأربعاء، قال محمد مهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، إن هذا المشروع “ليس مجرد نص تشريعي جديد يضاف إلى ترسانتنا القانونية بل هو محطة مفصلية في مسار تحديث وتطوير المشهد الإعلامي ببلادنا، وركيزة أساسية لتعزيز دولة الحق والقانون، وتكريس مبدأ الحكامة الجيدة والشفافية”.
وأوضح أن التجربة الأولى للتنظيم الذاتي لمهنة الصحافة “أبانت عن فراغات قانونية وعن مطالب من المهنيين أنفسهم لتعديل هذا النص القانوني، وهو ما دفعنا إلى تحمل المسؤولية السياسية للخروج بلجنة مؤقتة عبارة عن امتداد للمجلس الوطني السابق، اشتغلت طيلة سنتين على تقييم قطاع الصحافة والنشر ببلادنا”.
وأردف بنسعيد أن “هذه اللجنة منحت صلاحية إعداد تصور عام لمدونة الصحافة وقامت بمشاورات مع جميع الهيئات المهنية وفقا للقانون المحدث لها، وقدمت للحكومة تصورها في الآجال القانونية. وبناء عليه، قامت الحكومة بإعداد هذا النص انطلاقا من تصور اللجنة المؤقتة، مما يعكس التكريس الحقيقي لمبدأ التنظيم الذاتي للمهنة، وأن التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة هو ضمان لاستقلاليتها وتخليقها”.
وأكد بنسعيد أن المجلس الوطني للصحافة “ليس مجرد إجراء إداري بل هو يعكس فهما عميقا بأن حرية الصحافة المنصوص عليها دستوريا، لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال آليات التنظيم الذاتي”، مضيفا أن هذا الأخير يهدف إلى تعزيز حرية الصحافة وتكريس الحق الدستوري في ممارستها.
وشدد على أن الحكومة في نهاية المسار “ليست إلا آلية لتنزيل وضمان التنظيم الذاتي للمهنة، فتغيير منهجية إعداد النص لا تعني عدم احترام مبدأ التشاور أو الإنصات لمكونات الجسم الإعلامي الوطني، وإنما هذه المنهجية هي في حد ذاتها تنظيم ذاتي لمهنة الصحافة، على اعتبار أن التصور العام لهذا المشروع جاء بناء على خلاصات اللجنة المؤقتة التي تشاورت مع الجميع”.
وأشار إلى أن هذا القانون يهدف إلى “تحقيق توازن دقيق بين حرية الصحافة التي يكفلها الدستور وضرورة احترام قواعد المهنة وأحلاقيات المهنة. فالحرية ليست فوضى والمسؤولية ليست قيدا، بل هما مكملان أساسيان لبناء إعلام قوي قادر على لعب دوره كاملا في التعبير عن نبض المجتمع وطرح قضاياه العادلة والمساهمة في النقاش العمومي الهادف”.
كما يهدف هذا المشروع، وفق بنسعيد، إلى “تصحيح الفراغات القانونية مثل التنصيص على إحداث لجنة الإشراف التي تتولى تدبير العملية الانتخابية والانتدابية للصحافيين والناشرين، بشكل مستقل وذاتي، فضلا عن تقديم نظام جديد للاقتراع بناء على طلب المهنيين”.
وتابع المسؤول الحكومي أن هناك اتفاقا على “وجود نوع من الفوضى في المجال اليوم بسبب ممارسات لا أخلاقية يوازيها ما تشهده منصات التواصل الاجتماعي من تطور سريع للمعلومة يجعلنا أمام تحديات الأخبار الزائفة وعدم احترام أخلاقيات المهنة”.
وأبرز بنسعيد أن الخروج بالمجلس الوطني للصحافة يدبر شؤون الصحافيين والناشرين بشكل ذاتي واستقلال تام عن السلطة التنفيذية، يبقى جوهر مشروع القانون، مؤكدا على أن “الحكومة ليست لها أجندة أو توجه سياسي معين، يخدم طرفا على طرف آخر، فالهدف الوحيد لنا هو الخروج بالمجلس الوطني للصحافة، يعزز حريتها و يساهم في ممارسة مهامها السامية ويقوي استقلالية المهنة”.
