دخل ملف التعليم العالي، منعطفا متوترا ينذر باضطرابات واسعة داخل الجامعة العمومية بعدما صادق مجلس النواب في قراءة ثانية ونهائية خلال جلسة الثلاثاء على مشروع القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، مستكملا بذلك المسطرة التشريعية لهذا النص الذي تعتبره الحكومة مفصليا في إعادة هندسة المنظومة الجامعية، فيما تراه النقابات تشريعا أُنجز خارج منطق التوافق ويهدد توازنات دقيقة داخل مؤسسات التكوين والبحث.
الوزارة الوصية، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار سارعت إلى تقديم المصادقة البرلمانية في بلاغ رسمي بصيغة احتفالية، مشيدة بما وصفته بـ”مناخ النقاش الجاد والتفاعل المثمر والعمل المشترك” الذي طبع مختلف مراحل إعداد المشروع ومناقشته والتصويت عليه، معتبرة أن هذا المسار يعكس نضجا مؤسساتيا في التعاطي مع ورش إصلاحي استراتيجي.
وذهبت الوزارة إلى أبعد من ذلك حين ربطت بين إخراج القانون إلى حيز الوجود وبين ما سمته “رسانة وجودة الأداء المؤسساتي” معتبرة أن النص الجديد يشكل تتويجا لمسلسل إصلاحي متدرج ينسجم مع انتظارات مختلف الفاعلين والمتدخلين في قطاع التعليم العالي.
في القراءة الحكومية، يتعلق الأمر بإطار تشريعي يروم جعل الجامعة المغربية قاطرة لتكوين الرأسمال البشري ومكونا فاعلا في النمو الاقتصادي وشريكا في استشراف السياسات العمومية وتنفيذها وتقييمها، لذلك حرصت الوزارة في ختام بلاغها على التأكيد أن نجاح هذا الورش يبقى رهينا ليس فقط بجودة النصوص القانونية، بل كذلك بانخراط “مسؤول” من طرف الأساتذة الباحثين والطلبة والأطر الإدارية والتقنية، في أفق الارتقاء بالجامعة وتمكينها من الإسهام “النوعي والوازن” في بناء ما تصفه بـ”جامعة الغد”.
غير أن هذه اللغة التوافقية التي اعتمدها الخطاب الرسمي سرعان ما اصطدمت بواقع مختلف داخل الجسم الجامعي، حيث أعلنت النقابة الوطنية للتعليم العالي في سياق متزامن مع المصادقة النهائية على القانون، عن برنامج احتجاجي تصعيدي ينذر بشلل جزئي للمؤسسات الجامعية خلال الأسابيع المقبلة.
فقد قرر المكتب الوطني للنقابة خوض إضرابين وطنيين، الأول يوم الخميس 22 يناير 2026، والثاني يمتد على ثلاثة أيام متتالية، من 3 إلى 5 فبراير 2026، احتجاجا على ما اعتبرته إصرارا حكوميا على تمرير مشروع القانون 59.24 دون الاستجابة لاعتراضات جوهرية أبدتها النقابة خلال مسار الإعداد والمناقشة.
وفي بلاغ توصلت به “الصحيفة” وصفت النقابة مشروع القانون بـ”المعيب شكلا ومضمونا” معتبرة أن الحكومة لم تحترم المقاربة التشاركية التي يفترض أن تؤطر إصلاحا بهذا الحجم والحساسية.
وسجل المكتب الوطني ما اعتبره تجاهلا ممنهجا لملاحظات واقتراحات الفاعلين النقابيين، مطالبا بتجميد مسطرة المصادقة على النص وإعادته إلى طاولة الحوار، في خطوة تعكس حجم القطيعة التي باتت تفصل، وفق النقابة، بين الوزارة الوصية وممثلي الأساتذة.
الاحتقان لم يقتصر وفق البلاغ ذاته، على القانون الإطار للتعليم العالي بل امتد إلى وضعية مؤسسات تكوين الأطر، ولا سيما المراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين حيث أدانت النقابة ما وصفته بـ”سياسة صم الآذان” التي تنهجها وزارة التربية الوطنية تجاه المطالب التي يرفعها الأساتذة العاملون بهذه المراكز.
وتحدثت النقابة عن اختلالات بنيوية متراكمة، من بينها ما اعتبرته “ضربا لهوية المراكز” ومحاولة فرض وصاية الأكاديميات الجهوية عليها، إضافة إلى التأخر في تسوية ملف ترقية 2023، والتأخير في انطلاق السنة التكوينية، ومحاولات فرض رزنامة زمنية تلغي عطلا رسمية منصوصا عليها.
ورغم اعتراف النقابة بتسجيل تجاوب مبدئي من طرف وزارة التعليم العالي مع بعض مطالبها إلا أنها شددت على أن هذا التجاوب ظل، إلى حدود الآن في حدود الوعود، مطالبة بتفعيل ما تم الاتفاق عليه والإسراع في تدقيق القضايا موضوع التفاوض في إشارة إلى فجوة متزايدة بين الالتزامات المعلنة والتنزيل الفعلي على أرض الواقع.
في هذا السياق المشحون، دعت النقابة كافة الأساتذة إلى التعبئة الواسعة لإنجاح المحطتين الاحتجاجيتين المرتقبتين، معتبرة أن الإضرابات المعلنة ليست سوى خطوة أولى في مسار نضالي مفتوح.
كما أعلنت عن عقد اجتماع للجنة الإدارية يوم الأحد 15 فبراير 2026 لاستئناف أشغالها، في أفق تقييم تطورات الوضع واتخاذ ما يلزم من قرارات إضافية ووسعت النقابة دائرة المواجهة حين وجهت دعوة صريحة إلى مختلف الهيئات السياسية والنقابية والحقوقية لإحياء ما سمته “جبهة الدفاع عن التعليم والجامعة العموميين” بما يوحي بإمكانية انتقال الصراع من نطاق مهني ضيق إلى فضاء سياسي ومجتمعي أوسع.
وبين خطاب رسمي يحتفي بإصلاح تشريعي ويقدمه كرافعة لجامعة المستقبل، وحركة نقابية تصعد احتجاجيا محذرة من كلفة تمرير قانون مثير للجدل على الاستقرار الجامعي تدخل الجامعة المغربية مرحلة دقيقة من التوتر تتقاطع فيها رهانات الإصلاح مع مخاوف التفكيك وطموحات التحديث مع هواجس الإقصاء.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الأسابيع المقبلة من موازين قوى داخل أحد أكثر القطاعات حساسية في البنية الاجتماعية والمؤسساتية للبلاد، يرى الخبير التربوي والأستاذ الجامعي عبدالسلام الصديقي أن ما جرى في ملف قانون التعليم العالي يتجاوز الخلاف التقني حول مواد أو مقتضيات بعينها، ليكشف عن اختلال عميق في فلسفة الإصلاح العمومي التي تعتمدها الحكومة في القطاعات الحساسة.
ويوضح الصديقي في تصريح لـ “الصحيفة” أن التشريع، حين يُفصل عن شروطه السياسية والاجتماعية، يتحول من أداة تنظيم إلى عنصر توتير، لأن الجامعة فضاء إنتاج معرفة وصراع رمزي وقيمي، وأي مساس بتوازناته دون توافق واسع يُقوّض شرعيته منذ لحظة الميلاد.
ويحذّر الصديقي من أن الحكومة، في سعيها إلى تقديم القانون باعتباره رافعة للتنمية والنجاعة الاقتصادية، تختزل الجامعة في وظيفة أداتية مرتبطة بسوق الشغل والمؤشرات الكمية، متناسية أدوارها النقدية والعلمية والثقافية وهذا الاختزال في نظره، يفتح الباب أمام إعادة هيكلة غير معلنة لوظيفة التعليم العالي، حيث يُعاد تعريف “النجاح” بمنطق القابلية للتسويق والشراكات، لا بمنطق إنتاج المعرفة العمومية المستقلة.
كما ينتقد الخبير ما يسميه “إعادة توزيع صامتة للسلطة داخل المنظومة الجامعية” موضحا أن نقل مراكز القرار من الهياكل التمثيلية والأكاديمية إلى آليات حكامة خارجية أو شبه إدارية، يُضعف الاستقلالية الأكاديمية ويحوّل الأستاذ والباحث إلى منفّذ لخيارات لم يشارك في صياغتها ويعتبر أن هذا المسار، حتى وإن قُدّم بلغة التحديث، يحمل في طياته نزعة مركزية جديدة تتناقض مع روح الجامعة الحديثة القائمة على الاستقلال والمسؤولية المشتركة.
ويذهب الصديقي أبعد من ذلك حين يربط بين هذا التوجه التشريعي وبين السياق العام للسياسات العمومية، معتبرا أن الدولة باتت تميل إلى إدارة الأزمات القطاعية عبر القوانين بدل الحوار، ما يخلق فجوة متنامية بين القرار السياسي والفاعلين الميدانيين.
ويؤكد أن الاحتجاجات المرتقبة مؤشر على فشل متراكم في بناء الثقة، محذرا من أن استمرار هذا المنهج قد يدفع الجامعة إلى دورة اضطرابات مزمنة تُضعف قدرتها على أداء أدوارها في لحظة وطنية تحتاج فيها البلاد إلى البحث العلمي والمعرفة أكثر من أي وقت مضى.
ويخلص الخبير إلى أن الإصلاح الحقيقي للتعليم العالي لا يبدأ من النصوص، بل من إعادة الاعتبار للجامعة كفضاء عمومي مستقل ومن الاستثمار في مواردها البشرية وضمان شروط العمل والبحث، وإرساء حوار مؤسساتي دائم لا موسمي محذرا من أن أي إصلاح يُفرض بالقوة التشريعية وحدها “قد ينجح على الورق، لكنه يفشل في الواقع”.
