مع انطلاق نهائيات كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، عادت إلى الواجهة نقاشات متجددة حول صورة المملكة ومواقفها من استقبال المشجعين الأفارقة، خاصة في ما يتعلق ببعض الادعاءات المتداولة بشأن احتمال وجود ممارسات عنصرية.
هذه النقاشات، التي غالبًا ما تتغذى من صور نمطية أو حوادث معزولة، تزامنت مع التوافد الكبير لجماهير من مختلف دول القارة وخارجها لمتابعة العرس الكروي القاري.
غير أن المشهد الميداني، سواء داخل الملاعب أو في محيطها، يبدو مغايرًا إلى حد كبير لهذه التصورات المتداولة، إذ أن تنظيم البطولة والفعاليات المرافقة لها أفرز أجواء احتفالية اتسمت بالتعايش والتقارب الإنساني، حيث اختلطت الأعلام والأهازيج واللهجات الإفريقية في فضاءات واحدة، عكست روح الانتماء المشترك للقارة أكثر مما عكست أي شكل من أشكال التمييز أو الإقصاء.
وفي هذا السياق، أكدت مشجعة من زامبيا، في تصريح لجريدة “مدار21″ الإلكترونية، أنها تقيم بالمغرب منذ سنتين، ولم تواجه خلال هذه الفترة أي موقف عنصري، سواء في حياتها اليومية أو أثناء متابعتها لمباريات كأس إفريقيا. وأضافت أن المغرب بلد يرحب بالجميع دون تمييز، مشددة على أن هذا الحدث الرياضي القاري يشكل فرصة لإبراز القيم المشتركة بين الشعوب الإفريقية، قائلة: نحن جميع أفارقة، وتنظيم كأس إفريقيا سيتبث للعالم أن المغاربة غير عنصررين”.
من جهته، أشار مشجع آخر من جنوب إفريقيا إلى أن الحالات التي يمكن تصنيفها ضمن خانة العنصرية تبقى نادرة جدًا، وغالبًا ما تكون مرتبطة بقلة الوعي الفردي، وليس انعكاسًا لموقف مجتمعي عام أو سياسة ممنهجة، معتبرا أن التعميم في هذا الباب يظلم المجتمع المغربي ولا يعكس حقيقة ما يعيشه الزوار على أرض الواقع.
وأضاف المتحدث ذاته، في تصريح مقتضب لجريدة “مدار21” الإلكترونية، أن تنظيم كأس إفريقيا للأمم يسير في أجواء إيجابية، تطبعها الحفاوة وحسن الاستقبال، لافتا إلى أن ما تشهده المدرجات والملاعب من تفاعل بين الجماهير يعكس روح الأخوة والتفاهم بين الشعوب الإفريقية، بعيدًا عن أي انقسام عرقي أو تمييز قائم على اللون أو الأصل.
من جانبه، أكد الباحث في علم الاجتماع، ياسر البقالي، أن المغرب يتميز بخصوصية اجتماعية وثقافية تعزز التعايش بين مختلف المكونات، مبرزا أن العنصرية في المغرب تظل حالات استثنائية، ناتجة عن سوء فهم أو قلة اطلاع، وليست ممارسات منهجية.
وأشار البقالي إلى أن استضافة المغرب لبطولة بحجم كأس إفريقيا يعكس قدرة الدولة على بناء مساحات عامة تجمع الشعوب حول القيم الرياضية والإنسانية، ما يجعل التجربة الواقعية بعيدة تمامًا عن الصور النمطية المتداولة في الإعلام أو على مواقع التواصل الاجتماعي.
وأضاف المتحدث للجريدة أن كرة القدم، بصفتها ظاهرة جماهيرية وثقافية، تلعب دورًا مهمًا في تفنيد الصور النمطية، حيث يمكن للرياضة أن تكون أداة تعليمية واجتماعية لتقريب الشعوب بعضها من بعض، وتحقيق تواصل حقيقي قائم على الاحترام والمساواة.
وسجل البقالي أيضًا إلى أن تنظيم بطولة بهذا الحجم يتطلب تنسيقًا مستمرًا بين السلطات والمجتمع المدني لضمان بيئة خالية من التمييز، مؤكدا أن النجاح التنظيمي للبطولة يثبت أن المغرب قادر على الجمع بين التنوع الثقافي والتعايش الاجتماعي، وأن أي حوادث فردية لا تعكس صورة المجتمع المغربي ككل.
وأضاف الباحث أن مثل هذه الأحداث الرياضية الكبرى تمثل فرصة لإعادة رسم صورة المغرب في الوعي الإفريقي والدولي، ولفت إلى أن التجربة اليومية للمشجعين والفرق المشاركة تظهر الاحترام المتبادل والتعامل الإنساني الذي يقطع الطريق أمام أي تصورات مسبقة عن العنصرية، مؤكدًا أن كرة القدم تبقى جسراً للتقارب بين الشعوب.
