قال مصدر مسؤول بوزارة الانتقال الطاقي والمعادن إن التطورات المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط رغم تأثيرها الواضح على الأسواق الدولية “لم تصل إلى حد الانقطاع الكلي للإمدادات على مستوى البنيات التحتية الطاقية الاستراتيجية عالميا”، مؤكدا أن المغرب يواصل تأمين حاجياته من المواد البترولية بفضل تنوع مصادر التزود وتعزيز المخزونات في وقت تواصل فيه الوزارة تتبع سلاسل الإمداد بشكل دقيق لمواكبة أي تطورات قد تؤثر على السوق الوطنية.
وأوضح المصدر المسؤول في تصريح لـ”الصحيفة” أنه “فيما يتعلق بالسياق الدولي، تجدر الإشارة إلى أن التطورات التي تعرفها منطقة الشرق الأوسط، لم نصل إلى مستوى الانقطاع الكلي للإمدادات على مستوى البنيات التحتية الطاقية الاستراتيجية عالميا، رغم استمرار التوترات وتأثيرها على الأسواق الدولية” مشددا على أن هذا المعطى يظل محددا أساسيا في تقييم درجة المخاطر التي تواجه الدول المستوردة للطاقة.
ولفت المصدر الذي فضل عدم الكشف عن هويته لأسباب مهنية، إلى أن الوزارة تعتمد مقاربة استباقية قائمة على اليقظة وتتبع المؤشرات الدولية، حيث “تقوم الوزارة بتتبع تطورات سلاسل الإمداد الطاقي وتراقب الوضعية الدولية بهدف مواكبة أي تطورات محتملة قد تؤثر على تزويد السوق الوطني على المدى القصير”، في إشارة إلى أن تدبير المرحلة الحالية يتم بمنطق استباقي لتفادي أي اضطرابات مفاجئة في التموين.
وبخصوص وضعية التزود الوطنية، أبرز المسؤول أن المغرب يستفيد من بنية إمداد مرنة قائمة على تنوع الشركاء موضحا أنه “بالنسبة للمغرب، فإن مصادر التزود بالمواد البترولية بما في ذلك غاز البوتان تتميز بالتنوع، حيث يتم استيراد جزء منها من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعزز مرونة سلاسل الإمداد ويقلص من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على منطقة واحدة”، وهذا يمنح المملكة هامشا أكبر للتكيف مع التحولات الجيوسياسية التي قد تؤثر على بعض المناطق دون غيرها.
كما تطرق المصدر إلى التحديات الظرفية التي واجهتها منظومة التزويد في الفترة الأخيرة، واعتبر أن “الظرفية المناخية الاستثنائية التي مررنا بها والتي كان لها تأثير على التزويد بالمواد البترولية قد تمكنا من تجاوزها بفضل تضافر جهود مختلف القطاعات الوزارية المعنية والفاعلين بما في ذلك الخواص، مما ساهم في تعزيز المخزونات وإعادتها إلى مستوياتها الطبيعية”، في تأكيد على عودة التوازن إلى مستويات التخزين بعد مرحلة من الضغط.
وفي ظل استمرار التقلبات الدولية، أكد المصدر أن الوزارة تواصل العمل بنفس الوتيرة لضمان استقرار السوق، مبرزا أنه “في ظل الظرفية الحالية، تواصل الوزارة العمل بنفس الوتيرة من خلال تعزيز التنسيق مع مختلف المتدخلين واتخاذ الإجراءات لضمان تزويد السوق الوطني بالمواد البترولية” وهو ما يعكس توجها نحو تدبير تشاركي يشمل مختلف الفاعلين في سلسلة الطاقة.
أما بخصوص الجدل المرتبط بارتفاع الأسعار، فقد أوضح المصدر أن هذا الجانب يندرج ضمن اختصاصات محددة، قائلا: “أما فيما يخص تطور الأسعار في السوق الوطنية فهو موضوع يتم تتبعه من طرف الجهات المختصة في إطار منظومة الحكامة المعتمدة، وتحرص الوزارة على ضمان التزويد في أفضل الظروف”، في إشارة إلى أن دور الوزارة يظل مركزا أساسا على ضمان الإمدادات واستمرارية التموين، في مقابل آليات أخرى تشرف على تتبع الأسعار داخل السوق الوطنية.
ويأتي هذا التوضيح الرسمي في سياق يتسم بارتفاع ملحوظ في أسعار المحروقات، ما أعاد النقاش العمومي حول تأثير العوامل الدولية على السوق الداخلية وحدود تدخل الدولة في سوق محررة وسط تزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بكلفة الطاقة.
وفي مقابل تأكيد الوزارة على استقرار الإمدادات، يتواصل منحى الارتفاع في أسعار المحروقات داخل السوق الوطنية في انعكاس مباشر للتقلبات الحادة التي تعرفها الأسواق الدولية للطاقة، حيث أدى تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط إلى رفع منسوب المخاطر المرتبطة بالإمدادات، وهو ما يترجم سريعا إلى زيادات في أسعار الشراء لدى الفاعلين، قبل أن ينتقل أثرها إلى المستهلك النهائي.
وتتغذى هذه الزيادات أيضا من طبيعة السوق المغربية التي تخضع لنظام تحرير الأسعار حيث لم تعد الدولة تتدخل بشكل مباشر في تحديد الأثمنة منذ سنة 2015، ما يجعلها مرتبطة أساسا بتطورات السوق الدولية سواء على مستوى أسعار النفط الخام أو كلفة التكرير والنقل والتأمين، وهي عناصر تعرف بدورها ارتفاعا متزامنا في فترات الأزمات.
كما أن بنية الاستهلاك الوطني، التي تعتمد بشكل كبير على الواردات لتغطية حاجياتها من المواد البترولية تجعل السوق الداخلية أكثر حساسية لأي اضطراب خارجي إذ إن أي زيادة في كلفة الاستيراد تنعكس بشكل شبه فوري على الأسعار في محطات التوزيع، في ظل غياب آليات قوية للتخفيف من الصدمات على المدى القصير.
ولا يمتد تأثير هذه الزيادات ليشمل مختلف حلقات الاقتصاد، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الغازوال والبنزين إلى زيادة تكاليف النقل، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع والخدمات خاصة تلك المرتبطة بسلاسل التوزيع واللوجستيك، مما يعمق الضغط على القدرة الشرائية للأسر.
وفي هذا السياق، عاد النقاش حول دور الدولة في التخفيف من وقع هذه الارتفاعات، سواء عبر إعادة تفعيل آليات الدعم الموجه لبعض القطاعات الحيوية وعلى رأسها النقل أو عبر تقوية المراقبة وضبط هوامش الربح، في ظل مطالب متزايدة بضرورة تحقيق توازن بين منطق السوق وضمان استقرار الأسعار اجتماعيا.
ورغم هذه الضغوط، تشير المعطيات المرتبطة بالسوق الدولية إلى أن منحى الأسعار سيظل رهينا بتطورات الوضع الجيوسياسي العالمي، خاصة في مناطق إنتاج الطاقة ما يعني أن السوق الوطنية ستبقى بدورها عرضة لتقلبات يصعب التحكم فيها داخليا، في غياب أدوات سيادية كافية للتأثير المباشر على كلفة الاستيراد.
