إلى غاية كتابة هذه السطور، لم يُلاحظ مستهلكو المنتجات الفلاحية بالمغرب انخفاضاً كبيراً في الأسعار، على الأقل ليس بالشكل الذي كانوا يتوقعونه إثر التساقطات المطرية الغزيرة التي عرفتها المملكة في الشهور الثلاثة الماضية، بل شهدت بعض الأسعار على العكس تماماً زيادات ملحوظة. هذه الوقائع لها ما يفسرها بمنطق أن “كل نِعمة قد تحمل في طياتها نِقمة”.
ذلك ما أوضحه الخبير في القطاع الفلاحي، رياض وحتيتا، لجريدة “مدار21″، مؤكداً أن الأمطار الغزيرة وإن كانت في المجمل نِعمة ذات آثار إيجابية كبيرة على الفلاحة، إلا أن انعكاسها على أسعار بيع المنتجات الفلاحية يحتاج لتفصيل أكبر.
وأوضح المتحدث أن الإنتاج وفير بالضيعات بالفعل، لكن التحدي أصبح مطروحاً على مستوى عملية الجني، “تضاعفت تكاليف الجني، أولاً بسبب قلة وغلاء اليد العاملة، فالعديد من عُمال الجني فضلوا التوجه لضيعات الحوامض، بينما الذين يشتغلون في ضيعات الخضراوات أقل من المطلوب ويطالبون بأتعاب مُضاعفة”.
وعزا المتحدث ذلك إلى كون عملية جني الخضار أصبحت جد معقدة في الوقت الراهن؛ ولا سيما البطاطس والبصل والجزر والباذنجان، التي تمثل القفة الغذائية الأساسية للمغاربة، وذلك بسبب الوحل الذي خلفته الأمطار الغزيرة بالضيعات الفلاحية.
ولفت إلى أن معظم عمال الجني الذين دأبوا على الاشتغال بنحو 150 درهماً لليوم الواحد، صاروا يطالبون بـ300 درهم وأكثر، وذلك بسبب ظروفهم المعيشية الصعبة، وثانياً إثر صعوبة عملية الجني في الأراضي الموحلة”.
“يجد عامل الجني، في ظل الظروف المناخية الراهنة، صعوبة بالغة في التوغل داخل الضيعة، ويتطلب منه القطف جهداً مضنياً للحفر والالتقاط من عمق الوحل، صحيح أن هذه المسألة ظرفية لكنها الواقع المُعاش اليوم” يضيف وحتيتا.
ولا يتعلق الأمر باليد العاملة فحسب، بل كذلك بالعامل اللوجستيكي؛ “تُلاقي شاحنات نقل الخضار والفواكه صعوبات كبيرة في التوغل داخل الضيعات، بسبب البرك المائية المتناثرة التي قد تحاصرها وتبقيها عالقة هناك، وهو ما يعني أن تكاليف النقل أصبحت مرتفعة والعملية معقدة”.
وخلص الخبير إلى أن هذا الواقع ينعكس سلباً على تزويد الأسواق بالخضر والفواكه، و”بالتالي يمكن رصد انخفاض في العرض أمام طلب مستقر أو مرتفع، ما يؤدي، وفقا للقوانين الاقتصادية المعروفة لزيادة الأسعار”.
وعلاوة على العوامل المذكورة، أشار وحتيتا إلى أن الكثير من الضيعات غرقت بسبب غزارة التساقطات المطرية التي فاقت المطلوب، والبعض منها تعرض لأنواع عديدة من الخسائر إثر ذلك، على غرار فساد الغلة أو ظهور أمراض فطرية في الثمار.
ومع ذلك، تفاءل الخبير بأن الأسعار ستعرف على الأرجح انخفاضاً بحلول شهر رمضان الفضيل، وذلك “لكون الأرصاد الجوية تتوقع توقف الأمطار قريباً وتوالي أيام مُشمِسة ستؤدي غالباً لتجاوز هذه الظرفية الصعبة”.

