سجلت موارد الدولة الجبائية أداء استثنائيا خلال السنة الجارية، وفق وزارة الاقتصاد والمالية التي أكدت أن المداخيل الضريبية بلغت أزيد من 301,9 مليار درهم (قرابة 30 مليار دولار) عند نهاية الأشهر الأحد عشر الأولى، بارتفاع مع تحقيق 94,3% من توقعات قانون المالية.
ويأتي هذا المستجد، في لحظة مالية دقيقة يمر بها الاقتصاد الوطني حيث أعلنت وزارة الاقتصاد والمالية عن معطيات جديدة تهم وضعية الموارد الجبائية بالمملكة خلال سنة 2025، كاشفة عن أداء استثنائي للمداخيل الضريبية التي بلغت عند نهاية الأشهر الأحد عشر الأولى من السنة الجارية أزيد من 301,9 مليار درهم، أي بارتفاع لافت بلغت نسبته 14,5 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وأكدت الوزارة في وثيقتها الأخيرة المتعلقة بوضعية تحملات وموارد الخزينة التي اطلعت عليها “الصحيفة” أن هذه المداخيل حققت معدل إنجاز مرتفعا قدره 94,3 في المائة مقارنة بما كان متوقعا في قانون المالية، في مؤشر واضح على قدرة الجهاز الجبائي على تعبئة موارد تتجاوز التوقعات.
وتوضح الوثيقة ذاتها أن التسديدات الصافية والتسويات والمبالغ الضريبية المستردة، بما فيها الجزء الذي تتحمله الجماعات الترابية عرفت بدورها ارتفاعا ملموسا قدره 3,1 مليارات درهم، لتصل إلى 24,8 مليار درهم ويعكس هذا التطور بحسب الوزارة المجهودات الهامة التي تبذلها الدولة في مجال تصفية ائتمانات الضريبة على القيمة المضافة، أحد أبرز الملفات الحساسة المرتبطة بعلاقة الإدارة الضريبية بالمقاولات.
وحسب طبيعة الجبايات، تكشف الأرقام عن أداء قوي للضريبة على الشركات حيث سجلت هذه الأخيرة معدل إنجاز قدره 103,5 في المائة، إلى جانب ارتفاع كبير بقيمة 16,9 مليار درهم، أي بزيادة بنسبة 28,9 في المائة.
وترجع هذه الدينامية بالأساس إلى الارتفاع الهام في تكملة التسوية التي قفزت بنسبة 53,4 في المائة لتبلغ مستوى قياسيا قدره 20 مليار درهم، فضلا عن تحسن الأقساط الثلاثة الأولى التي حققت زيادة إجمالية قدرها 10,7 مليارات درهم وعلى مستوى الإرجاعات، انتقلت المبالغ المستردة برسم هذه الضريبة من 2,2 مليار درهم قبل سنة إلى 3,4 مليارات درهم عند نهاية نونبر 2025.
أما مداخيل الضريبة على الدخل، فقد عرفت بدورها تحسنا واضحا بنسبة 14,6 في المائة مع معدل إنجاز مرتفع بلغ 99,3 في المائة وترتبط هذه النتيجة في جزء كبير منها بالتسوية الضريبية الطوعية التي مكنت من تحصيل 3,8 مليارات درهم في يناير 2025، إضافة إلى الارتفاع المسجل في المداخيل المتأتية من أنشطة الإدارة الضريبية بما قيمته 2 مليار درهم، ثم ارتفاع الضريبة على الدخل المحجوزة في المنبع على أرباح تفويت القيم المنقولة بـ957 مليون درهم.
وفيما يتعلق بالضريبة على القيمة المضافة، تشير الوثيقة إلى أنها سجلت معدل إنجاز بلغ 87,5 في المائة مع ارتفاع قدره 7,8 مليارات درهم مقارنة بالسنة الماضية نتيجة زيادة المداخيل المتعلقة بالضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد بما قدره 4 مليارات درهم إلى جانب ارتفاع الضريبة على القيمة المضافة بالداخل بـ3,8 مليارات درهم كما بلغت تسديدات الضريبة على القيمة المضافة باستثناء حصة الجماعات الترابية 13,7 مليار درهم مقابل 12,9 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
الضرائب الداخلية على الاستهلاك عرفت بدورها تطورا ملموسا، حيث سجلت معدل إنجاز قدره 99,6 في المائة مع ارتفاع بقيمة 4,2 مليارات درهم. ويُعزى هذا الارتفاع أساسا إلى زيادة عائدات الضريبة الداخلية على استهلاك المنتوجات الطاقية بـ2,8 مليار درهم إضافة إلى ارتفاع مداخيل الضريبة على استهلاك التبغ بـ1 مليار درهم.
ويرتبط هذا التطور، وفق الوثيقة، بإلغاء الإعفاء من الضريبة الداخلية على الاستهلاك المطبق على الفحم والفيول الثقيل المستخدمين لإنتاج الطاقة الكهربائية، وذلك في إطار مقتضيات قانون مالية 2025، إلى جانب رفع الحصص المطبقة على هذه المنتوجات وزيوت التشحيم والزفت.
وفي المقابل، تكشف الأرقام تراجعا على مستوى مداخيل الرسوم الجمركية، التي سجلت انخفاضا قدره 910 ملايين درهم على أساس سنوي، مع معدل إنجاز بلغ 72,8 في المائة مقارنة بتوقعات قانون المالية.
وتفسر الوزارة هذا التراجع بإلغاء رسم الاستيراد المطبق على الأبقار والأغنام خلال سنة 2025، ضمن سياسة تهدف إلى دعم السوق الوطنية وتخفيف الضغط على أسعار هذه المواد.
أما مداخيل رسوم التسجيل والتنبر، فقد سجلت زيادة مهمة قدرها 2 مليار درهم، بمعدل إنجاز بلغ 97 في المائة، وذلك بفعل ارتفاع حقوق التسجيل بنسبة 11,2 في المائة، إلى جانب ارتفاع حقوق التمبر بنسبة 17,3 في المائة.
وتوضح الوثيقة الإحصائية المتعلقة بوضعية تحملات وموارد الخزينة، الصادرة باسم وزارة الاقتصاد والمالية، أنها تقدم نتائج تنفيذ توقعات قانون المالية اعتمادا على مقارنة دقيقة مع الإنجازات المسجلة خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية.
وإذا كانت الوضعية التي تعدها الخزينة العامة للمملكة ذات طابع محاسبي صرف، فإن وثيقة وضعية تحملات وموارد الخزينة كما تنص على ذلك المعايير الدولية في مجال إحصاءات المالية العمومية تتجاوز المحاسبة إلى توصيف شامل للمعاملات الاقتصادية المنجزة خلال فترة الميزانية، من خلال عرض تدفقات المداخيل العادية والنفقات العادية ونفقات الاستثمار وعجز الميزانية وحاجيات التمويل، إضافة إلى التمويلات التي تمت تعبئتها لتغطية هذه الحاجيات.
وتعليقا على هذه المؤشرات، قال الباحث في الاقتصاد وخبير في المالية العمومية محمد ساري، في حديثه لـ “الصحيفة” إنه “لا يتعلق الأمر بتحسنٍ ظرفي في موارد الخزينة بقدر ما يكشف عن تحوّل أعمق في قدرة الدولة على تعبئة مواردها الجبائية، بفعل مزيج من تشديد الامتثال الضريبي وتوسيع الوعاء وإدخال تعديلات تشريعية رفعت من المردودية”.
وأكد ساري، في حديثه لـ “الصحيفة” أن الأهم في تقديره هو أن دينامية التحصيل تتزامن مع مجهود واضح لمعالجة الإرجاعات وتسوية المتأخرات وهو عنصر حاسم لاستعادة الثقة بين الإدارة والفاعلين الاقتصاديين.
لكن التحدي الحقيقي اليوم، يفيد الخبير هو “تحويل هذا الزخم الجبائي إلى رافعة للاستثمار العمومي وتقليص العجز وضمان استدامة المالية العمومية حتى لا يتحول ارتفاع الموارد إلى مجرد استجابة آنية لحاجيات الميزانية بل إلى مسار استراتيجي يعزز استقرار الاقتصاد على المدى المتوسط”.
