لا تخطئ الأرقام حين توجه أصابع الاتهام لتدهور التشغيل بالوسط القروي في مفاقمة أزمة البطالة بالمغرب، إذ أدت سنوات الجفاف المتتالية إلى نزوح كبير لليد العاملة القروية من القطاع الفلاحي نحو أشغال أخرى “حضرية” بحثاً عن لقمة العيش. لكن هذا النزوح لا يُفسر فقط بتقلص فرص الشغل في الفلاحة، بل بعوامل أخرى سوسيو-نفسية تؤدي لنفور متزايد من الأنشطة الفلاحية في صفوف الشباب.
بلغة الأرقام، ووفقا لأحدث المعطيات الرسمية، عرفت سنة 2025 إحداث 193 ألف منصب شغل، مقابل 82 ألف منصب فقط سنة قبلها، غير أن هذا الرقم يخفي فقدان 10 آلاف منصب بالوسط القروي، مقابل إحداث 203 آلاف بالوسط الحضري.
وبحسب مندوبية التخطيط، فقد انخفض عدد العاطلين عن العمل بـ17 ألف شخص ما بين سنتي 2024 و2025، لينتقل من 1,638 مليون إلى 1,621 مليون عاطل على الصعيد الوطني، ونتيجة لذلك، تراجع معدل البطالة من 13,3% إلى 13%، مسجلا انخفاضا طفيفا بـ0,3 نقطة، لكن هذا التحسن النسبي يخفي تفاوتا صارخاً بين الوسطين الحضري والقروي، إذ انتقل معدل البطالة بالمدن من 16,9% إلى 16,4%، مقابل تراجع محدود بالوسط القروي من 6,8% إلى 6,6%.
القراءة البديهية لهذه الأرقام تُحمل الجفاف وشح التساقطات مسؤولية تدني الإنتاج الفلاحي، ومعه قابلية القطاع للتشغيل، غير أن هذه القراءة لا تأخذ بعين الاعتبار سوى الجانب الإنتاجي في الوسط القروي، كما أنها تخطئ باعتبار الفلاحة نشاطا اقتصاديا وحيدا ممكنا لساكنة البوادي، وفق ما يراه خبراء.
وفي هذا الصدد، أكدت المهندسة الزراعية، أسية حيفة، أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه هو “لماذا لم تعد الفلاحة تُعتبر مستقبلًا واعدًا لشباب البوادي؟”، مضيفة أن العمل الميداني الذي تم القيام به، عبر مرافقة الفلاحين من طرف فريق وكالة “FERT” الفرنسية للتنمية الفلاحية وفرعها بالمغرب، يتجلى عبره واقع مختلف؛ “العمل متاح، والحاجة لليد العاملة موجودة، لكن ضعف الاعتراف بالجهود، وظروف الممارستة ليست بالمستوى المطلوب”.
وأضافت أن هناك تصوراً شائعاً يقلل من مكانة الفلاح ولا يُصوره كمِهني متكامل الأركان، علماً أنه يُدير استغلالية فلاحية ويتخذ قرارات استراتيجية ويتحمل مخاطر جسيمة.
هذا الواقع، يفاقمه كون 70 إلى 80 في المئة من الاستغلاليات صغيرة الحجم، ومتوسط عمر الفلاحين يتجاوز 50 سنة، “أما الشباب فيفرّون ليس من الفلاحة في حد ذاتها، بل من عدم اليقين الذي أصبحت تتسم به”.
وأوصت الخبيرة بتدابير يمكن اتخاذها لضمان تولي الشباب مشعل القطاع الفلاحي المغربي والحد من نزوحهم المتزايد، “أولا القدوة الناجحة، ينبغي توفير نماذج ناجحة لشباب يعمل في الفلاحة، بالإضافة إلى المواكبة الحقيقية والولوج الفعلي إلى العقار، مع تمويلات في المتناول، وأخيراً الاعتراف الواضح بالمهنة”.
وخلصت إلى أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه ليس “كيف نُدمج الشباب في الفلاحة؟” بل “كيف نجعل الفلاحة خيارًا يستحق أن يُختار؟ وكيف نجعلها قابلة للاستمرار اقتصاديًا حتى تكون اختيارًا لا أمرًا مفروضًا؟”.
