التقى الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني أمس الخميس في القصر الرمادي وفداً إماراتياً وصفه المكتب الإعلامي للرئاسة بأنه “رفيع المستوى”، يقوده وزير الدولة شخبوط بن نهيان آل نهیان.
وأجرى ولد الشيخ الغزواني خلال اللقاء مباحثات مع الوفد، فيما لم يورد المكتب الإعلامي للرئاسة أي تفاصيل إضافية حول مضامينها.
وتأتي المباحثات في لحظة حساسة تمر بها منطقة الساحل بعد تراجع النفوذ الفرنسي، وتنامي حضور قوى جديدة مثل روسيا والصين وتركيا، ما يجعل موريتانيا محطة جذب أساسية للشراكات الدفاعية.
وبحسب مراقبين، فقد تكون العلاقات بين موريتانيا والإمارات قد دخلت مرحلة فتور بعد سنوات من التنسيق الوثيق، والذي كان يشكل أحد أركان المؤتمر الإفريقي لتعزيز السلم، خصوصاً خلال دورته السادسة التي ينظمها مفتي الإمارات الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى أبوظبي للسلم، الشهر الماضي. فقد حمل مشهدي افتتاحه واختتامه مؤشرات سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة، مقارنة بالنسق المعتاد.
ومنذ عام 2019، ارتبط تنظيم المؤتمر بحضور رسمي رفيع من الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الذي دأب شخصياً على افتتاح دوراته تحت رعاية إماراتية مباشرة يقودها الشيخ عبد الله بن بيه، غير أن دورة هذا العام كسرت هذا النسق؛ إذ وصل بن بيه إلى نواكشوط وغادرها على متن طائرة خاصة متوجهاً إلى المغرب دون استقبال أو توديع رئاسي، مكتفياً بالوزير الأول المختار ولد اجاي بإدارة حفل الافتتاح وإلقاء كلمة باسم الحكومة.
إلى جانب الغياب الرئاسي، شهد حفل الافتتاح مقاطعة واسعة من أغلب السفراء العرب المعتمدين في نواكشوط، لأول مرة، إذ دأب السفراء العرب على احتلال المقاعد الأمامية في صالة المؤتمر. ووفق مصادر دبلوماسية، جاءت المقاطعة نتيجة تنسيق داخل السلك الدبلوماسي العربي قادته كل من السعودية والجزائر، وحملت رسالة سياسية واضحة تجاه الإمارات، في ظل اتهامات متداولة لأبوظبي بالانخراط في ملفات إقليمية “مثيرة للجدل”.
ويتغذى هذا الطرح على مناخ عربي منقسم، حيث تتباين المقاربات تجاه ملفات فلسطين والسودان واليمن وليبيا، ما يجعل أي مبادرة إقليمية عرضة لتجاذبات تتجاوز أهدافها المعلنة.
وعلى الجانب الموريتاني، يعكس هذا الانفتاح رغبة نواكشوط في تنويع مصادر التعاون الأمني والبحث عن شركاء قادرين على دعمها في ملف مكافحة الإرهاب وتأمين حدودها الطويلة مع مالي، وهي ملفات كانت لعقود مرهونة بعلاقات موريتانيا التقليدية مع فرنسا والولايات المتحدة.
غير أن قراءة التحركات الإماراتية في موريتانيا لا يمكن فصلها عن مسار ممتد من الحضور الاستراتيجي لأبوظبي في إفريقيا والعالم العربي.
فمن القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر، ومن ليبيا إلى تشاد والنيجر، سعت الإمارات خلال العقد الأخير إلى بناء شبكة نفوذ متنوعة تجمع بين الاستثمار الاقتصادي والدعم الأمني والعسكري. ويبدو أن موريتانيا باتت ضمن هذا المسار، بوصفها بوابة مهمة إلى عمق الساحل وبحكم موقعها السياسي المستقر نسبياً مقارنة بجوارها.
وفي ظل صمت الطرفين عن تفاصيل المباحثات، تبدو الإجابة مرهونة بمآلات التعاون خلال الأشهر المقبلة، وبمدى قدرة موريتانيا على إدارة التوازن بين انفتاحها على شركاء جدد والحفاظ على استقلال قرارها الأمني في منطقة لا تتسامح مع الفراغ ولا مع التبعية

