19 دقيقة نوم مهدورة و21,8% ارتفاعا محتملا لحوادث سير مميتة.. دراسة تعكس مضار الساعة الإضافية وتدعو لمراجعة جذرية لتوقيت المغرب

adminمنذ 5 ساعاتآخر تحديث :
19 دقيقة نوم مهدورة و21,8% ارتفاعا محتملا لحوادث سير مميتة.. دراسة تعكس مضار الساعة الإضافية وتدعو لمراجعة جذرية لتوقيت المغرب


في لحظة يتجدد فيها النقاش العمومي حول الساعة الإضافية في المملكة، وضعت ورقة تحليلية حديثة صادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) ملف التوقيت القانوني الدائم بالمغرب تحت مجهر الكلفة والمنفعة، معتبرة أن تثبيت توقيت غرينتش زائد ساعة (GMT+1) منذ 26 أكتوبر 2018 تحول إلى خيار استراتيجي له آثار صحية واجتماعية واقتصادية عميقة، تستدعي تقييما مستقلا ومبنيا على الأدلة بعد أكثر من سبع سنوات على اعتماده.

الورقة التي تتوفر عليها “الصحيفة”، وتمتد على 18 صفحة أطرت النقاش ضمن مفهوم “السيادة الزمنية” أي قدرة الدولة على ضبط توقيتها بما يحقق توازنا بين الاندماج في الفضاءات الاقتصادية الدولية، وبين حماية الرأسمال البشري والرفاه الداخلي للمجتمع.

 وتؤكد في ملخصها التنفيذي أن توقيت غرينتش زائد واحد، رغم ما يحققه من مكسب تكتيكي يتمثل في تعزيز التزامن الاقتصادي مع الاتحاد الأوروبي، يفرض “تكاليف استراتيجية موثقة على الصحة العامة، والسلامة الطرقية، والعدالة المجالية، دون تقديم دليل قاطع على تحقيق اقتصاد في الطاقة أو تعزيز الإنتاجية الإجمالية”.

وتشدد الوثيقة على أن المفاضلة بين الخيارات الزمنية ليست تقنية بحتة، بل سياسية بامتياز لأنها تتعلق بترجيح مصلحة قطاعات اقتصادية محددة مقابل الصحة والسلامة وجودة الحياة لفئات واسعة من السكان.

تنطلق الورقة من إطار علمي موثق حول ما يسمى بـ”التأخر الاجتماعي” Social Jetlag أي عدم التوافق بين الساعة البيولوجية والساعة القانونية، وهو أثر يرتبط بالابتعاد عن التوقيت الشمسي الطبيعي. وبحسب الأدبيات التي تستعرضها الدراسة، فإن العيش في الجانب الغربي من المنطقة الزمنية كما هو حال المغرب ضمن توقيت غرينتش زائد واحد يرتبط بفقدان متوسطه 19 دقيقة من النوم يوميا، مع ارتفاع مخاطر الإصابة بالسمنة والسكري وأمراض القلب.

وتعتمد الورقة في ذلك على دراسة محكمة (Giuntella & Mazzonna, 2019) بتصميم شبه تجريبي (RDD)، تثبت أن الغروب المتأخر يفرض كلفة صحية حقيقية على السكان القاطنين غرب المنطقة الزمنية، وبالنسبة للمراهقين، تشير الدراسة إلى أن الانتقال إلى التوقيت الصيفي يؤدي إلى فقدان نوم يصل إلى 32 دقيقة في الليلة، ما يؤثر سلبا على اليقظة والتحصيل الدراسي.

وتؤكد الورقة أن الإجماع العلمي الدولي، بقيادة الأكاديمية الأمريكية لطب النوم (AASM) والجمعية الأوروبية للساعة البيولوجية EBRS يوصي باعتماد التوقيت القياسي الدائم (Time Standard) باعتباره الخيار الأكثر توافقا مع الساعة البيولوجية والصحة والسلامة العامة.

وفي محور السلامة الطرقية، تربط دراسات قوية بين الصباح المظلم الناتج عن التوقيت الصيفي الدائم وارتفاع خطر وفيات حوادث السير بنسبة تصل إلى 21,8% في الجانب الغربي من المناطق الزمنية، كعلاقة ارتباطية قوية.

وتشدد الورقة على أن هذه النسبة لا تمثل تقديرا سببيا مباشرا لأثر توقيت غرينتش زائد واحد في المغرب، لكنها مؤشر علمي يستدعي دراسة سببية دقيقة في السياق الوطني.

ولتأطير الكلفة البشرية وطنيا، تستعرض الدراسة الأرقام الرسمية لوفيات حوادث السير بين 2020 و2024، والتي بلغت 3005 وفاة سنة 2020، و3685 سنة 2021، و3242 سنة 2022، و3819 سنة 2023، و4024 سنة 2024، وفق المعطيات الحكومية الموثقة من وزارة النقل والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA).

 وتؤكد الورقة منهجيا أن هذه السلسلة تُستخدم لإبراز الاتجاه العام خلال خمس سنوات، دون الجزم بعلاقة سببية مباشرة مع التوقيت القانوني، نظرا لتداخل محددات أخرى كحجم الحركية والبنية التحتية وإنفاذ القانون والسلوكيات.

كما تبرز الدراسة البعد المجالي والأمني للصباح المظلم، خاصة بالنسبة للنساء والفتيات والطلبة في المناطق القروية والهامشية، حيث يرفع التنقل قبل بزوغ الفجر من مؤشرات “الشعور بانعدام الأمن” ويضاعف مخاطر التعرض للاعتداء أو التحرش، ما يشكل عائقا أمام العدالة المجالية وتكافؤ الفرص في الوصول الآمن إلى التعليم والعمل .

وفي الشق الطاقي، تضع الورقة علامة استفهام كبرى حول مبرر توفير الطاقة، فهي تشير إلى أن التجربة التركية، التي اعتمدت التوقيت الصيفي الدائم منذ 2016، لم تُظهر وفورات معتبرة في استهلاك الطاقة، كما تبرز دراسة أمريكية مرجعية أن التوقيت الصيفي أدى إلى زيادة استهلاك الكهرباء السكني بنسبة 1% بسبب ارتفاع استعمال التكييف مساء، ما ألغى وفورات الإنارة.

وتضيف الورقة بُعدا آخر يتعلق بالإنتاجية، مستندة إلى دراسة حديثة على منصة GitHub، تشير إلى انخفاض ملحوظ في إنتاجية المطورين لمدة تصل إلى أسبوعين بعد الانتقال للتوقيت الصيفي، بما يعكس ترجمة اضطراب النوم إلى خسائر إنتاجية ملموسة حتى وإن كانت مؤقتة.

اقتصاديا، يعترف التقرير بأن توقيت غرينتش زائد واحد يمنح المغرب ساعة تداخل إضافية يوميا مع أوروبا القارية شتاء، وهو عنصر مهم لقطاع ترحيل الخدمات (BPO) وبعض الصناعات المصدرة، خاصة وأن الاتحاد الأوروبي يمثل الشريك التجاري الأول للمملكة .

غير أن تحليل “التداخل الزمني” الوارد في الجداول المفصلة داخل الورقة يُظهر أن هذا المكسب يقابله انخفاض في ساعات التداخل مع المملكة المتحدة والساحل الشرقي الأمريكي والصين في بعض الفترات الموسمية، ما قد يؤثر على استراتيجية تنويع الشراكات خارج الفضاء الأوروبي.

وتخلص الدراسة إلى أن الخيار الزمني يعكس مفاضلة هيكلية بين تعميق الاندماج الأوروبي وتعزيز الانفتاح متعدد الاتجاهات، ما يجعله قرارا اقتصاديا وجيوسياسيا بامتياز وليس مجرد ضبط إداري للساعة القانونية كما تشير الورقة إلى فجوة بين الزمن القانوني وزمن السوق التقليدي، حيث يمثل الاقتصاد غير المهيكل والأنشطة المرتبطة بالأسواق الأسبوعية والفلاحة وتجارة القرب المبكرة جزءا حيويا من الدورة الاقتصادية الوطنية.

واعتبرت أن فرض توقيت GMT+1 يخلق نوعا من “اللاتزامن” مع الأنشطة المعتمدة طبيعيا على الدورة الشمسية، ما يؤدي إلى كلفة غير مباشرة تتمثل في تعطل سلاسل التوريد المحلية وزيادة الضغط على اليد العاملة التي تجد صعوبة في مواءمة نشاطها مع الإيقاع الإداري والتعليمي للدولة .

وتستعرض الورقة الخط الزمني القانوني منذ 2012، حين اعتمد المغرب نظام التغيير الموسمي، مرورا بمرسوم 2.18.755 الصادر في أكتوبر 2018 الذي ثبّت توقيت غرينتش زائد واحد كتوقيت قانوني دائم، وصولا إلى قرار 3.06.26 لسنة 2026 الذي يقضي بالعودة المؤقتة إلى توقيت غرينتش خلال رمضان 1447هـ . وتعتبر أن استثناء رمضان يجعل النظام أقل استقرارا، لأنه يفرض تغييرين متتاليين كل سنة في فترة زمنية قصيرة .

وتقترح الدراسة ثلاثة سيناريوهات رئيسية إما العودة الدائمة إلى توقيت غرينتش، أو الإبقاء على GMT+1 مع سياسات تصحيحية كتأخير الدخول المدرسي شتاء ودعم النقل، أو اعتماد نظام موسمي جديد يتماشى مع دورة الاتحاد الأوروبي، مع التحذير من أن الخيار الموسمي يحمل تكاليف صحية وإنتاجية مثبتة ويعتبره المجتمع العلمي “أسوأ الخيارين” .

وفي خاتمتها، تقدم الورقة حزمة توصيات عاجلة ومتوسطة وبنيوية من بينها نشر الدراسة الحكومية لسنة 2018 التي استند إليها قرار التثبيت، تعميم تأخير الدخول المدرسي والإداري إلى التاسعة صباحا بين نونبر وفبراير، إتاحة بيانات الحمل الكهربائي الساعي وبيانات حوادث السير المفصلة للباحثين، تكليف جهة وطنية مستقلة مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بإنجاز دراسة كلفة فائدة شاملة، وإجراء استشارة عامة وطنية لا تقتصر على “تفضيل التوقيت” بل تقيس مؤشرات الكلفة الاجتماعية المرتبطة بالصباح المظلم.

وتدعو الوثيقة في النهاية إلى اتخاذ قرار سيادي نهائي للعقد القادم عبر تعديل المرسوم 2.18.855، بناء على معطيات دقيقة ودراسات وطنية قابلة للتحقق، معتبرة أن التوقيت لم يعد مجرد مسألة تقنية، بل أصبح سؤالا عن موقع المغرب في “النظام الزمني الدولي” وعن أولوياته بين السوق وصحة المجتمع.



Source link

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق